التشكيلية سحر زهير…تقنيات الجمال بين بيئتين

361

زياد العاني/

تعد تجربة الفنانة التشكيلية سحر زهير من التجارب الفنية الهادفة، اذ تعتمد فيها بالدرجة الأولى على مسألة المضمون وغايته قبل أن تهتم بالشكل الخارجي للعمل، وتعكس لوحاتها -التي قد تكون بالغت في غزارة إنتاجها- ما يجيش في دواخلها من تأثيرات البيئة العراقية التي نشأت فيها، وانفعالاتها الحياتية،
بالإضافة الى قضايا الحياة اليومية التي تعيشها في بلجيكا حالياً، فهي من الفنانين المغتربين الذين أصروا على أن يكون الفن هو لغتهم الدائمة. تمثلت أعمالها في تشكيل سطوح، سواء أكانت من الكانفاس أم الورق، فلو تتبعنا أعمالها منذ البدايات، لوجدنا أنها تجارب مشتق بعضها من بعض، أي أنها تطورت بمرور الزمن وأخذت تتلاعب بالشخوص وهيئاتهم، أو ألوانهم، أو تقنيات اللون المختلفة التي تميزهم، وهي بالنتيجة مراحل تطور مستمرة وصلت بها الى العمل على الخامة وتصنيعها، فقد توصلت مؤخراً الى أعمال فنية ورقية صنعت ورقها بنفسها، وهذا يمنح تلك الأعمال قيمة إبداعية كبيرة.
اكتشاف التغييرات
هنا يقع امتحان رَهافة المتفرج في اكتشاف التغييرات التعبيرية في طرق تصويرها التشكيلية واختزالاتها اللونية وتقنياتها، فقد تميزت أعمالها –أيضاً- بتركيزها على فضاء اللوحة ودراسة ما في مركزها من مفردات تخرج أحياناً عن إطار الصورة، هذا بالنسبة لرسومها التي تميل الى التعبيرية التجريدية، إذ اعتمدت في بناء اللوحة على أسس جمالية فكرية، وتعميق الربط بين الفن والفكر، كما ركزت في الكثير من الأعمال على جانب إنساني مهم يبدأ من الطفل وحواسه، كذلك تتعمد أن تسمي أعمالها بعناوين معينة مثل (الطفولة المشردة، العنف ضدالمرأة، رسائل عن الحرب)، وغيرها من التسميات، من خلال تنويعاتها الفنية بين الرسم بالزيت او الرسم بالألوان المائية التي توحي بالواقع من خلال المفردة، وفي الوقت نفسه لا تخلو أعمالها من العفوية والضبابية المقصودة جمالياً، وتختلف الألوان المستعملة في لوحاتها باختلاف المواضيع ودرجات حضورها، فهي تعتمد في بعض الأحيان اللون العفوي الذي يأتي من خليط الألوان الأخرى، كما تستفيد من الدلالات العفوية في أحيان أخرى، التي تخضع للمعايير الجمالية على الأقل في التعبير، أو في محاكاة الطبيعة.
الملمس حاضر في غالبية لوحات الفنانة سحر، بينما يحضر اللون بكثافة، فدائماً ما تبدو لوحاتها محطات للتساؤل عن هذه المكونات مادامت هناك دلالات ليست واقعية بحتة. تصف لنا هذه الفنانة روح الشخوص المرسومة بمنظور قد يشبه ما تراه عين المتلقي أحيانا، وتلجأ إلى رسمها بطريقة المحترف الذي يرسم وهو في حالة من النشوة بدون انقطاع حتى ينجز عملاً يرضي ذاته قبل كل شيء. إن أعمالها تكشف عن رؤية جمالية فنية تشكيلية مخصصة لها، تهم بالأساس علاقتها الشديدة ببيئتها المحلية الأم التي لا تخرج عنها حتى لو ابتعدت عنها، لأنها ملهمتها الأولى.
رؤية فنية
تبتعد هذه الفنانة عن النقل الحرفي لمختلف عناصر لوحاتها، اذ تركز رؤيتها الفنية على الاحتفاء بالموروث ومن ثم المحيط الصوري، إذ لاشك في أن لكل فنان الحرية في اختيار مناطق إبداعه وخياله الوجداني والذهني، أي بين الظاهر والمسكوت عنه، وبين السهل والمعقد، فالسر في اختياراته يكمن في ذاته وجيناته وبيئته وحضارته، فليس غريباً أن ينتج الفنان عملاً قد تلتبس فيه المفاهيم، لأنه أنتجه لإرضاء الذات، ولو أسقطنا هذا على فنانتنا سحر لوجدناها فنانة مبدعة لا تقف تجربتها عند حدود معينة، فإنتاجها بهذه الغزارة يعطي دليلاً واضحاً على حجم الإدراك والبصيرة الكبيرين في تصوير الإبداع، لأنها حملت قدراً من الهم الإنساني الواضح في لوحاتها، ليلقي بظلاله على مسار العناصر التي اختارتها لتصبح هي العلاقة الإنسانية بينها وبين الريشة واللون والموضوع والحلم.. الى آخره.
ومع ذلك، ووسط هذا النضج في أعمالها، صنعت الفنانة سحر علاقات تحاورية بين مختلف الألوان والرموز بنوع من التكافؤ والتوازن بين كل المكونات والعناصر التي تملأ الفضاء، لتجعل البصر يتناغم ويتفاعل مع طبيعة العمل ككل.