الثانية عربياً والأولى في القلوب إذاعة جمهورية العراق توقد شمعتها الخامسة والثمانين

96

سرمد إرزوقي – تصوير: صباح الامارة /

بسيطة بمعداتها وأجهزتها، لكنها كانت خطوة جبارة في التحديث، انطلقت بأثيرها من بغداد الى العالم، وكانت ثاني إذاعة على مستوى الوطن العربي بعد إذاعة القاهرة، فقد بثت أولى نشراتها الاخبارية للمستمعين عام ١٩٣٦ بأصوات خلدها التاريخ وبقيت باسقة كالنخيل في أذهان المثقفين والمتابعين.
وفي يوم افتتاحها تجمع أهالي بغداد من جميع أطرافها ليشاهدوا انطلاقتها الأولى في مبنى صغير في الصالحية لا يتعدى ثلاث غرف، لكنها اليوم أصبحت منبراً إعلامياً رصيناً، يتابعه الملايين عبر الأثير ومن انحاء العالم كافة.
صوت الوطن
مدير الإذاعة رائد الحداد حثنا قائلاً: الأول من تموز من كل عام هو يوم مميز للعراقيين عام ةو للإذاعيين خاصة، لما يحمل هذا اليوم من أثر رائع في قلوبهم، ففي هذا اليوم أُسست ثاني إذاعة عربية بعد صوت القاهرة وهي إذاعة بغداد هذه المؤسسة العظيمة التي اثرت دول المنطقة كافة، في الخليج ودول الجوار، وكانت مؤثرة في ثقافات المنطقة، وأسست أبجدية العمل الإذاعي العربي، وواكبتها باقي الإذاعات الخليجية مستلهمة منها فن الإعلام ومبادئ العمل الإذاعي، وفعلاً أُسّست إذاعات عدة على غرارها.
عملي مخرجاً في إذاعة عريقة وكبيرة مثل إذاعة جمهورية العراق ترك في نفسي أثراً لا يمحى من ناحية تحمل المسؤولية الكاملة عن البث والمواد الإعلامية، ولقد تعاظمت هذه المسؤولية بعد أن توليت مهمة إدارتها، حيث تعاظمت المسؤولية، بالإشراف المباشر على الكادر فضلاً عن ايجاد السبل الكفيلة بإجاح العمل برفقة فريق متكامل، لأنها كانت ولا زالت تضم خيرة المذيعين والمقدمين ويجب أن تكون هناك علاقة طيبة بين المذيع أو المقدم من جهة والمخرج من جهة أخرى لكي تكون المادة المقدمة للمتلقي في أعلى مستوياتها. نحن اليوم حريصون كل الحرص على مواكبة التطور والتجدد دائماً، وفي كل دورة برامجية لا بد أن يكون هناك عدد من البرامج الجديدة فضلاً عن تطعيم الدورات ببعض البرامج المستحدثة والفواصل والسبوتات الإذاعية بين حين وآخر، لأنها صوت الوطن الذي واكب التغيرات السياسية والاجتماعية وكل ما مرَّ به العراق. بعد 2003 أصبحت واحدة من تشكيلات شبكة الإعلام العراقي، وأدّت مهمتها الحقيقيَّة في أن تكون نبض الشارع وتلبي احتياجاته الثقافية والفكرية والمتغيرات السياسية، وبرغم تعدد الفضائيات المتاحة للجمهور، لكن لم يستغن المستمعون عنها، لأنها محل مصداقية ويقين في كل الامور، فضلاً عن أن هذا المكان مرَّ فيه رؤساء جمهورية ورؤساء وزراء وحدثت فيه وقائع تاريخية مهمة، -من هنا مر التاريخ كله، التاريخ السياسي والثقافي للعراق، وما زال مرتبطاً بذاكرة الناس لاسيما المثقفين، شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهم الكثير من اهم إعلام العراق من كتاب وشعراء وفنانين وسياسيين ومثقفين وإعلاميين، أما عملوا أو حلوا ضيوفاً في برامجها.
من روادها المتألقين
خمسة وثمانون عاماً مرت على تأسيس إذاعة بغداد، قضيت منها 60 عاما، وفي الماضي كان الدخول إليها صعباً وبشروط قاسية جداً، انا لا اعدّها الآن قاسية بل مفيدة، ويجب ان تطبق في اي اذاعة وفي كل زمان ومكان، إذ يجب أن يخضع الشخص الذي يدخل الى الإذاعة الى الاختبار بالدرجة الاولى ثم يُعين، فالعمل الاذاعي صعب جداً لأن عليك أن تعتمد على صوتك فقط، ويجب أن تقنع المتلقي وتترك له أن يتخيل، أنت بصوتك وهو يتصور الموضوع الذي تتحدث عنه بخياله، اذا كان كوميدياً أو تراجيدياً أو كانت نشرة أخبار أو غيرها، وأذكر أنه كان هناك قسم يسمى التمثيل والبرامج الخاصة، ومن يدخل هذا القسم يتعلم كل شيء؛ الالقاء واللغة، فعند تسجيل أي برنامج هنالك مشرف لغوي داخل الاستوديو، عندما تخطئ يجبرك على أن تعيد ولو مئة مرة، ولا أحد يعترض عليه، إذ كان يجب تشكيل الكلمة بكامل حروفها، بصراحة اليوم هذا الشيء غير موجود. كنا سابقا نقدم كل شيء الأخبار والبرامج السياسية والبرامج المنوعة والثقافية والتربوية فضلاً عن التمثيليات مع وجود المخرج الذي بدوره يتابع طريقة الإلقاء في التمثيل، ويجب ان يصل الى المتلقي عبر الصوت فقط، أما الآن أصبحت الإذاعة على شكل اقسام مختلفة سياسي وثقافي ومنوعات..الخ ، نحن لسنا ضد التطور ولكن يجب المحافظة على الأساس وأن نكمل من حيث توقفنا وان نقدم للمتلقي شيئاً جديداً يجمع ما بين القديم (الكلاسيكي) والجديد لتكوين شيء ثالث وهو الجديد جداً، سابقا كان الناس ينتظرون البرامج الاذاعية بشوق إذ كانت البرامج صلة الوصل بين الاذاعة والمتلقي، وكان بعضها يحتاج صوت شخص واحد، وبعضها اكثر من صوت، على سبيل المثال برنامج (من حياتي) إعداد المرحوم ابراهيم الهنداوي يعتمد المعد على رسائل ترد من المستمعين لقصة جرت في الواقع وهذا كان يحتاج الى اكثر من صوت من ممثلين وممثلات فكان يشترك في تقديمه (خولة رجب، ومنى البصري، ومحمد زهير حسام، وراجحة صادق والمخرج شكري العقيدي) وأسماء كثيرة مثل كلادس يوسف وهنا تحضرني ذكرى طيبة معها، ففي أحد الأعوام صدر أمر وزاري بعدم ذكر الألقاب، ولذلك قدمت نشرة الأخبار حينها باسم أمل كاظُم بضم الظاء، وبعد أن خرجت من الاستوديو أخذتني كلادس يوسف جانباً وقالت لي: لا تقولي كاظُم بضم الظاء، بل قوليها بكسر الظاء لأن الإمام الكاظم (عليه السلام) لقب بهذا لأنه يكظِم غيضه عن الناس، مع أنها امرأة مسيحية.
تقنيات البرامج ورجع الصدى
علي الآغا مدير البرامج في اذاعة جمهورية العراق، قال: إنإ البرامج في إذاعة جمهورية العراق شرف ليس بعده شرف وذلك لعراقة هذه المؤسسة العظيمة وأصالتها ومكانتها، فمنذ أن تسنمت هذا المنصب وأنا مواظب على العمل الجاد في خلق جو إذاعي يليق بتأريخ إذاعة جمهورية العراق ومستمعيها الكرام، وعملت مع فريق عمل متكامل لوضع خطوط عريضة للدورات البرامجية التي حرصنا أن تكون نوعية، والحمد لله خرجنا بنتائج رائعة حتى الآن وأسعى دائماً لكل ما هو جديد ومتميز في دوراتنا البرامجية وهذا ما سيلاحظه المستمعون الكرام في الدورة البرامجية الجديدة التي ستنطلق في الذكرى ٨٥ لتأسيسها في الأول من تموز.
ويضيف الآغا: يجب على كل إعلامي أو صحفي أن يطّلع دائماً على آخر المستجدات التي تخص عمله وأن يواكب آخر التطورات ويحدّث بشكل مستمر قاعدة بياناته ومعلوماته مما يقدَم في الإذاعات والمؤسسات الاخرى سواء أكانت محلية أو اقليمية أو دولية، لأن التطوير ضروري جداً لاسيما ونحن في خضم هذا التقدم المذهل والسريع في التقنيات والتكنولوجيا الرقمية الحديثة، كما أن السوشيال ميديا الآن أصبحت إحدى وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة، اي أنها جزء لا يتجزأ من وسائل الإعلام بل إن اكثر المؤسسات الإعلامية أصبحت تلاحق جمهورها في مواقع التواصل الاجتماعي بإنشاء صفحات وحسابات لهذه المؤسسات، وعليه فإن المتلقي اصبح له دور كبير جدا فيما يتعلق بالتفاعل مع البرامج ونشرات الاخبار.
مصداقية الخبر
محمد سليم رئيس قسم الأخبار والبرامج السياسية يقول: إذاعة جمهورية العراق تمتاز بمذيعين اكفاء، والمعروف أن المذيع العراقي يتمتع بسلامة النطق لجميع الاحرف ما يجعله رقما مميزا بين المذيعين العرب، كما أن إذاعة جمهورية العراق لها هوية خاصة في ما يتعلق بالأخبار وأسلوب إذاعتها وهو ما جعلها تتميز بأدائها، لذلك ترى أن عنصر السرعة الذي تنتهجه بعض المحطات الإذاعية أفقد اللغة خواصها، في حين بقت اللغة الرسمية والصحيحة القاءً وشكلا ومضمونا هي صفة مذيعي إذاعة جمهورية العراق، فضلاً عن التعامل مع المعلومة بسرعة وهو هدف الإذاعة وهذا ما جعلها تأخذ مكاناً مميزاً ومعتمداً بين المحطات وتكون مصدراً للمعلومة الرسمية بسبب هويتها الرسمية، فعند حصول اي حدث أو اي طارئ تلاحظ غرفة الاخبار تعمل كخلية نحل وترسل الأخبار العاجلة أولاً بأول الى استوديو الأخبار وتُبث على نحو عاجل حتى إن لم تكن هناك نشرة، وثمة تغطيات فورية لكل حدث فضلاً عن تكريس منهاج الإذاعة من برامج ونشرات حول الموضوعات المهمة.
خمسة عشر عاماً من العمل بهذه الإذاعة جعلني أراها مصنعا لكثير من القامات التحريرية والمذيعين والمخرجين وتوالت عليها إدارات جيدة تعرف قيمة العمل الإذاعي وتقدر قيمته، وتبقى إذاعة جمهورية العراق منجماً للطاقات الإبداعية الإعلامية من مراسلين ومحررين ومذيعين، ولطالما رفدنا التلفزيون ومؤسساتنا الإعلامية الأخرى بهم.
عناية الاختيار
مجيد جوحي رئيس قسم التنسيق تحدث إلى مجلة الشبكة قائلاً: يعد قسم التنسيق من الأقسام المهمة في إذاعة جمهورية العراق من بغداد، حيث يشتمل على مكتبة ضخمة من البرامج المنوعة والثقافية والوثائقية، ولا ننسَ البرامج الإرشادية والصحية، وهناك عشرات البرامج موجودة في مكتبة الإذاعة كانت لها الريادة في تاريخ الإذاعة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مثل برنامج (من الذاكرة) الذي كان يقدمه الإذاعي والكاتب سعاد الهرمزي وهو برنامج يتناول سيرة عمالقة الموسيقى ويحلل إنجازاتهم الغنائية مثل سليمة مراد، ومحمد القبنجي، وناظم الغزالي، وغيرهم. ويضيف جوحي: إن مسؤولية قسم التنسيق هي إكمال دورة برامجية جديدة أخرى مع مراعاة الخطط والسبل المؤدية إلى النجاح فضلاً عن ثوابت المنهاج الإذاعي العام والدقة المتوازنة في اختيار البرامج ونوعيتها، كذلك يقترح قسم التنسيق بالتشاور مع مدير الإذاعة ومدير البرامج مدى حاجة الإذاعة إلى برامج لها خصوصية تقوم على التنويع والدقة والنوعية وتوقيت البث بالتناغم مع القديم.