الخبير الفني في ترميـم الأعمال الفنية حيدر سالم الجعيفري: الدول المتحضرة تهتم بصيانة ممتلكاتها الثقافية

152

حوار: زياد جسام /

غالباً ما تتعرض اللوحات والأعمال الفنية القديمة إلى تغيرات وأضرار مختلفة، منها بتأثيرات الزمن والبيئة المحيطة بالعمل، أو غيرها من الظروف التي تؤثر سلباً على هذه المقتنيات الفنية.
ولا تزال التقنيات المستخدمة في الحفاظ على الأعمال الفنية في العراق وترميمها هي ذاتها المستخدمة منذ زمن بعيد، بمواد وخامات كيميائية تدخل في معالجة التلف الحاصل على اللوحات مهما كان حجمه، إلا أن مهمة الفنان المختص بترميم الأعمال الفنية ربما تعد أصعب من إنتاج العمل نفسه. ولمعرفة بعض تفاصيل هذه الجانب الفني المخفي، حاورنا الفنان الخبير المتخصص في صيانة الأعمال الفنية حيدر سالم.
*علمية ترميم الرسومات والتحف الفنية القديمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعلم، فهل تدربتَ على صيانة الأعمال بشكل علمي؟
– من محاسن الصدف التي لا يمكن أن تتكرر هي تلك الدورة التي دعا إليها مركز روما الدولي في المركز الإقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية، الذي كان بإشراف الخبير الدولي الإيطالي “كارلو جنيتو موساي” والخبير الدولي الآخر “رود ولفو”، من غواتيمالا، إذ كانت الدورة علمية عمليه أكثر مما هي نظرية، والغريب أني كنت فيها طالباً ومحاضراً عملياً، وأتلقى أجوراً عن عملي في صيانة المنسوجات وطرق الريافة ودراسة الخامات، وأتابع مراحل تطور الخامة النسيجية للرسم “الكانفاس والخيش والمواد المستعملة الدخيلة عليها.”
*هل استفدتَ من دوراتك خارج العراق في صيانة الأعمال الفنية بالعراق، وما هو دورك في الحفاظ على المقتنيات الفنية لوزارة الثقافة العراقية؟
-أنا من أسس قسم “صيانة الممتلكات الثقافية – صيانة الأعمال الفنية في مركز الفنون”، ولكوني أميناً على المجموعة المتحفية في دائرة الفنون بوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، أشعر بأنني أعيش بين إبداع الفنانين العراقيين الرواد وغيرهم، بين حاضرهم وماضيهم، فقد عاصرتهم وتابعت جميع معارضهم، ودرست أساليبهم وتقنياتهم وتنوع الخامات التي يستخدمونها وألوانهم. أما النحاتون فقد اطلعت على المواد التي يستخدمونها وبناء العمل والنحت على الخشب وأنواعه والرخام والحجر والمواد المختلفة والبرونز والطرق على النحاس، وبالنسبة للخزافين اطلعت وتابعت تأثير درجات حرارة الفخر وأسلوب الخزافين وتقنياتهم، فهذه هي مدرستي وهذا عالمي وهذه سعادتي وهمّي.. بحثت في كل الطرق الصحيحة لخزن الأعمال الفنية للحفاظ على المخزون من الرطوبة والضوء والحشرات المرئية وغير المرئية.
*هل قمتَ بصيانة أحد أعمال الفنانين الرواد، وكيف كانت النتائج؟
-نعم، قمت بصيانة كل أعمال الفنانين الرواد التي زينت متحف الفنانين الرواد منذ تأسيسه، وكانت البداية مع لوحات عبد القادر الرسام، ثم جواد سليم، وفائق حسن، وأكرم شكري، وحافظ الدروبي، وعيسى حنا، واسماعيل الشيخلي، وفرج عبو، وخالد الرحال، وفاروق عبد العزيز، وصديق أحمد، وبهجت عبوش، وخالد الجادر، وجميل حمودي، ومديحة عمر، ونزيهة سليم، وغيرهم من الفنانين الرواد الذين مازالت أعمالهم شامخة في الأوساط الفنية العراقية وغيرها، فهذا إرث كبير يجب الحفاظ عليه عبر الأجيال.
*ما أهم الاسباب التي تؤثر سلباً على الأعمال الفنية وتتسبب في إتلافها؟
-تتضرر الأعمال الفنية لأسباب عديدة، منها –وأهمها- جهل الخازن والاستهانة بالمخزون، إذ يسهم بعض الجهلة في تعرض الأعمال إلى الرطوبة أو الجفاف، فكلاهما يؤثر على الأعمال، ناهيك عن تكاثر الحشرات الضارة، ومنها الصراصر، وهناك حشرات أخرى لا ترى بالعين المجردة، مثل السمكة الفضية، إذن نحن أمام مشاكل عديدة، منها مكان العرض والقاعات والبيوت، وكل هذا يحتاج إلى خبرة متراكمة، لا مكتسبة بالنظريات “كنا وكان.”
*هل سبق أن قام أحد المتخصصين بصيانة عمل فني وفشل في ذلك؟
-بالتأكيد، فهناك مشكلة كبيرة اسمها “دعاة الخبرة”، فهؤلاء يدّعون أنهم يفهمون في مجال الترميم ويستسهلون الأمور، والنتيجة أنه تحدث مشاكل تؤذي العمل بشكل كبير لا يمكن إصلاحه إطلاقاً، وهنا لابد من توخي الحذر. كما لابد من توفر الخبرة في معرفة وتشخيص العمل الأصيل من المزوّر، إذ يتحمل الخبير المسؤولية الأخلاقية في صيانة العمل، فلابد من امتلاكه الخبرة الكافية ووسائل الفحص بالأجهزة والمواد الكيمائية، ولاسيما أعمال البلد الذي يعيش فيه، وأن يكون عارفاً بفناني بلده وتقنياتهم وأساليبهم والمواد التي كانت تستعمل في إنتاج إبداعهم.
*أيهما أصعب في الصيانة، العمل الزيتي أم ذلك المرسوم بألوان مائية؟
-كلاهما ليس سهلاً، فهناك لوحات رسمت بالزيت، وأخرى بالألوان المائية او المواد المختلفة مثل عصارة النباتات وصماغها، او الكولاج مثل الريش والورق وقطع النسيج وأوراق الأشجار، حتى الحناء والأصباغ التي تستعمل للأقمشة، وَمسحوق الصخور، فكل لوحه لها خصوصيتها في الترميم بعد دراسة مكوناتها، وهنا تكمن الخبرة في إيقاف الضرر وعدم التعدي على لمسة الفنان أو أية إضافة أو حذف.
سيرة موجزة
ولد الفنان حيدر سالم الجعيفري عام ١٩٤٥ في بغداد، عمل في دائرة الفنون مع الفنانين: نزار سليم، وعبد الرحمن الكيلاني، واسماعيل الشيخلي، كما عمل مع الفنانة ليلى العطار، والفنان عامر العبيدي، عندما كانوا مدراء المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد. وهو عضو نقابة الفنانين العراقيين، وعضو جمعية الفنانين العراقيين، وأمين المجموعة المتحفية للفن الحديث – دائرة الفنون التشكيلية 1974_2001 ، أول مشاركه له كانت في معرض الواسطي 1974، والمعرض الشخصي الأول للنحت 1980، مشارك في دورة لصيانة لوحات الرسم 1980 بإشراف خبراء إيطاليين “المركز الإقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية”، ودورة أخرى في صيانة المنسوجات 1983 “المركز الإقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية”، ومحاضر في صيانة اللوحات في المركز الإقليمي.