الراحل فارس مهدي حِرفية الإخراج وفرادة الأسلوب

668

محسن إبراهيم /

في بلاد المهجر رحل المخرج والأكاديمي العراقي الدكتور فارس مهدي إثر إصابته بفايروس كورونا. رحيل مهدي ترك أثراً حزيناً في الأوساط العراقية الفنية والثقافية. مهدي، الذي كان منذ صباه مولعاً بالدراما والتصوير الفوتوغرافي والسينمائي، نمت لديه تلك الموهبة حتى بات لا يفارق كاميرته، كان باحثاً عن الجمال بعين الموهوب والمتمرس في آن واحد، يلتقط الصور ليضفي عليها حسَّهُ الفني المتقد، متخذاً من الواقع ملهماً له.
جعلته بيئته يتحسس الجمال ليعبِّر عنه بملحمية الرمز وجمال الصورة، متمثلاً بموهبة طورها بعدسته التي كانت عينه الثالثة، التي كانت تترجم ما يجول في خاطره من عشق للتصوير. سبح بخياله الرحب وراح يجسِّد ملامح المدراس الواقعية والتعبيرية والرمزية في لقطاته ليعبّر عن الحياة المعاشة آنذاك.
في منطقة باب الشيخ ببغداد ولد فارس مهدي عام 1957، وكان مسرح وسينما روكسي وسينما الفردوس بوابات دخوله إلى هذا العالم الفسيح؛ عالم الفن والسينما والمسرح حين كان والده يصطحبه في ستينيات القرن الماضي لمشاهدة الأفلام والمسرحيات، ذلك الارتياد الذي وطّد علاقته مع السينما حتى أصبحت شاغله الأول قبل كل شيء، فهو يعتقد أن الصورة تعنيه قبل الكلمة. لم يكتفِ فارس مهدي بهذا القدر، بل حصل على ماكنة عرض سينمائي ليعرض بها أفلاماً صامتة تشبع شغفه رغم صمتها. الأفلام الأسطورية وأفلام المغامرات كانت المفضلة لديه، وبعد إكمال دراسته الثانوية رفض أن يدخل كلية الهندسة واختار الفن، كان الذي يشغله حين يتابع الأفلام والسؤال الذي يدور في ذهنه هو: أين نحن من هذه الثقافة؟ التحق بعدها بكلية الفنون الجميلة وتخرج فيها وحصل في ما بعد على شهادة الماجستير ثم الدكتوراه. قدم في دراسته الأكاديمية فيلمين من إخراجه؛ الأول هو فيلم (أغنية التم) للكاتب أنطوان تشيخوف، والفيلم الثاني هو (الشمس لا تشرق مرتين). .عمل الراحل في تلفزيون العراق مونتيراً ومخرجاً، وأخرج كثيراً من البرامج المنوّعة والأفلام الوثائقية في ذلك الوقت ليدخل عالم الدراما من أوسع أبوابه، فهو لديه أسلوب إخراجي مميز يرتكز على الواقعية. أخرج أعمالاً عدة منها: (قصص عراقية، وبيت الشمع، ومملكة الشر) وغيرها، عمل مديراً لتلفزيون العراق، انضمّ بعد ذلك إلى سلك التدريس في كلية الفنون الجميلة قسم الفنون السمعية والمرئية.، تألق في مسيرته الفنية، وأصبح من أهم الأسماء في الوسط الفني والثقافي، ويعود الفضل في ذلك للاكتساب الثقافي والعلمي في مرحلة دراسته الأكاديمية، وتأثره بأساتذته؛ الراحل بدري حسون فريد، والفنان المصري محمد توفيق الذي كان يعمل محاضراً في قسم السينما، ومن خلال هذه الأسماء استطاع مهدي أن يتقن تقنيات التمثيل في السينما والتلفزيون. أحب فارس مهدي العمل مع الفنانين ممن يمتلكون الحرفية الأكاديمية أمثال قاسم محمد ويوسف العاني ومناضل داود، تلك الحرفية التي ساعدت مهدي في عملية التواصل وإظهار العمل في أبهى صورة.
فارس مهدي يؤمن بأن الممثل المبدع هو من يحافظ على مقومات عناصر التمثيل المتمثلة في تحليل الشخصية وأبعادها، والتوغل في رسم الملامح الخارجية من خلال فن المكياج، وهنا تكمن وظيفة الممثل، ولاسيما في الأدوار ذات المستوى العالي، فضلاً عن إيمانه بأن المخرج يجب أن يكون ذا ثقافة وخبرة وتجربة في مسيرته الفنية، وأن يكون مطلعاً على الأدب المسرحي والروائي، فالقراءة والمطالعة لدى مهدي هما سبيلا مفتاح التألق والنجاح والتكامل لكل مخرج.
آخر أعماله كان فيلم (المصور قيصر) الذي يتحدث عن الطبيب قيصر الذي فقد إحدى عينيه في تظاهرات ساحة التحرير وتوثيق المبادرات الإيجابية التي شهدتها الساحة، أُنجز العمل وعُرض في كندا. سيطر المرض على مهدي ثم تطور إلى (عجز كلوي)، ورقد في مستشفى اليرموك في بغداد ثم غادر العراق متجهاً إلى كندا للعلاج حيث وافته المنية إثر إصابته بفايروس كورونا في أحد مستشفيات كند