الرشيد.. ينفض الغبار ويستعيد الحياة في زمن الوباء

45

مجلة الشبكة /

يعاودنا الحنين حين تشخص أبصارنا إلى بناية مسرح الرشيد، ذلك المكان المحفور في الذاكرة، نشم فيه عبق الماضي ممزوجاً بأمنيات عدة، هنا كانت خشبة المسرح شاهدة على مسرحيات شكسبير ويوسف الصائغ ومحيي الدين زنكنة، وهذيان عدنان الصائغ الذي ظل يقظاً، ومسرحيات (الملك لير) و(تفاحة القلب) و(الجنّة تفتح أبوابها متأخرة) و(روميو وجولييت) و(مخفر الشرطة القديم). فضلاً عن الأمسيات الموسيقية ومعزوفات جايكوفسكي وبتهوفن وباخ.
وفي غفلة من الزمن زحف الظلام إلى مسامات الحياة وشرايينها وأسدلت الستائر على مسرح الرشيد.في حادثة اغتيال فني وحضاري، وبين كراسي المسرح والطرق الصامتة سكت الحلم واتشحت خشبته بالسواد، طلسماً كان من الصعب حل رموزه، لكن هناك من كان يحلم ويحلم حتى نفض الغبار واستجاب لصرخات جدران اتشحت بالرماد ليفك طلسم هذا المكان ويعيد له الحياة.
صرح ثقافي
في العام 1981 وبتصميم شركة فرنسية ارتفع صرح مبنى مسرح الرشيد بطوابقه التسعة، وكان يعدّ في حينها من أهم وأكبر مسارح بغداد وثاني أكبر تحفة معمارية في الشرق الأوسط. يحتوي المسرح على صالة كبيرة تتسع لنحو 700 مشاهد، فضلاً عن قاعات كبيرة للإزياء والملابس المخصصة للممثلين ومعدات خاصة بالحيل المسرحية التي تقدّم أكثر من مئتين من المؤثرات الصوتية والبصرية، وقد دمرت جميعها بفعل القصف الأميركي وأعمال النهب.
شهد المسرح أول عرض مسرحي وهو مسرحية (الأرض والعطش والإنسان) تأليف وإخراج قاسم محمد، وآخر عرض مسرحي كان (وللحب بقية) من تأليف عبد الخالق كريم وإخراج الفنان كاظم النصار. وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاماً استضافت خشبة المسرح العديد من روائع الأدب العراقي والعالمي، فضلاً عن المهرجانات. إذ شهد افتتاح أربع دورات لمهرجان المسرح العربي، فضلاً عن خمس دورات لمهرجان المسرح العراقي. ويعدّ المسرح واحداً من الصروح الثقافية المهمة في بغداد، فقد شهد عشرات العروض المسرحية، سواء المحلية منها التي قدمتها الفرقة القومية للتمثيل العراقية، أو العروض العربية التي قدّمت في الثمانينيات والتسعينيات عبر مهرجانات المسرح العربي، ووقف على خشبته كبار الفنانين العرب من مصر وتونس وسوريا ولبنان والإمارات، أمثال فريد شوقي وحسين فهمي ونور الشريف ومحسنة توفيق، والطيب الصديقي، كما ضيّف المسرح المخرج العربي الكبير يوسف شاهين وعرضت فيه أهم أعماله، مثل فيلم (إسكندرية ليه).
عودة الحياة
المخرج أحمد حسن موسى مدير عام دائرة السينما والمسرح تحدّث عن عودة الحياة وحملة إعمار المسرح، قائلا:
بادر قبلي الكثير من الفنانين والمجاميع الشبابية في محاولة لإعادة هذا الصرح، لكن الكل يعلم أنّ مسرح الرشيد ليس مسرحا فقط بل هو بناية مكوّنة من عشرة طوابق وهو مصمّم ليكون المكان الاساس لدائرة السينما والمسرح وعلى أساس أن كل طابق مخصّص لقسم معين، مثلا لقسم السينما طابق خاص وهكذا بالنسبة لباقي الاقسام، بدأت حملة الإعمار بمبلغ زهيد لا يكفي لإعمار بيت صغير لكن إصرارنا على الإنجاز كان المحرك الاول، المبدعون في دائرة السينما والمسرح من مهندسين وفنيين كانوا يواصلون الليل بالنهار من أجل استكمال إعمار مسرح الرشيد وبإرادتنا الذاتية وصلنا إلى مراحل متقدمة من تطوير نظام الإضاءة وصالة استقبال الضيوف والصالة الداخلية بمواد بناء وديكور حديثة مع الاحتفاظ بالتصاميم والمعالم الأساسية للمسرح وكلنا أمل أن ننجز ما تبقى خلال الايام القادمة. واتوقع أن يتم افتتاح مسرح الرشيد في الشهر المقبل بمرافقه كافة، التي تضم الصالة الكبرى والمسرح وغرف الممثلين.
هناك استعدادت لإقامة كرنفال احتفالي كبير في افتتاح مسرح الرشيد يستمر ثلاثة أيام، يتضمّن عروضا مسرحية وفنية وغنائية بمشاركة الفرق المسرحية العراقية وكبار المطربين، كما نسعى لاستضافة شخصيات فنية عربية احتفالا بإعادة الحياة لهذا الصرح الثقافي والفني.
الفنان حكيم جاسم عضو مجلس أمناء الشبكة، تحدث قائلا: مسرح الرشيد هو ذاكرة الفن العراقي والثقافة العراقية ليس على مستوى المسرح فحسب بل على مستوى المهرجانات العربية والثقافية ولكن هوية المسرح العراقي أخذت مساحتها الأوسع والأكبر على مستوى الوطن العربي من خلال العروض التي قدّمت في أغلب الدول، ومجرد الشروع في إعمار هذا المكان هو منجز بحد ذاته.الشكر والتقدير لجميع من ساهم في إطلاق هذه الحملة وجميع الجهات الداعمة لإعمار مسرح الرشيد، هذا المكان سيعيد الرئة الثقافية والمسرحية إلى المجتمع العراقي.
نافذة ثقافية
مسرح الرشيد نافذة ثقافية مهمة وذاكرة حية للفنانين والجمهور. هذا ما تحدّث به الفنان المسرحي رائد محسن وأضاف: لأنَّ مسرح الرشيد احتضن خيرة العروض العراقية ومرّت عليه جميع الأسماء؛ مخرجين ومؤلفين وممثلين، ابتدأها قاسم محمد بمسرحية حكايات العطش وبعدها جاء إبراهيم جلال وبدري حسون فريد وسامي عبد الحميد مروراً بجيل صلاح القصب وفاضل خليل وعقيل مهدي وشفيق المهدي وعزيز خيون وحيدر منعثر وأحمد حسن موسى وصولاً لناجي عبد الأمير وغانم حميد وكاظم النصار وغيرهم كثر، وأسماء مؤلفين كبار مثل عادل كاظم وفلاح شاكر وطه سالم ويوسف الصائغ وجليل القيسي ومحي الدين زنكنه وممثلات مهمات مثل شذى سالم وإقبال نعيم وسهير إياد وهناء محمد وسهى سالم وليلى محمد واسيا كمال وعواطف نعيم وفاطمة الربيعي ووجدان الأديب وسمر محمد وغيرهن، وممثلين مثل محمود أبو العباس ومقداد عبد الرضا وجواد الشكرچي وسامي قفطان وميمون الخالدي وفيصل جواد وخالد علي ورائد محسن وغيرهم، في هذه السنة وفي ظل جائحة كورونا جاء الدكتور أحمد حسن موسى مدير عام دائرة السينما والمسرح وقف وسط خراب الرشيد فتذكر مجموعة من مشاهد لعروض شاهدها أو أخرجها لهذا المسرح وتحمّل المسؤولية كاملة لإعادة إعماره بجهودٍ شخصية بعيداً عن أموال الحكومة وسيفتتح المسرح بحلته الجديدة يوم 28 / 11 / 2020.
مسرح الرشيد رئة ثقافية اختنقت لأكثر من عقد ونصف وستعود للحياة مرة أخرى لترفد الثقافة العراقية بعروضٍ مدهشة.