الروائية اللبنانية مريم مشتاوي: الإيحاء الجسدي في النص يجب أن يوظف للضرورة الفنية

500

 خضير الزيدي/

مريم مشتاوي روائية وشاعرة لبنانية، صدر لها من المجاميع الشعرية “حبيب لم يكن يوماً حبيبي”، “ممر وردي بين الحب والموت”، “هالوين الفراق الأبدي” وديوان “حين تبكي مريم”. اما في النص الروائي فلها رواية عشق ورواية ياقوت، وروايتها الأخيرة (تيريزا آكاديا) ولدت في ظلّ الحرب اللبنانية من أبٍ سوري أمريكي الجنسية وأم لبنانية، عيّنت أستاذة لغة عربية في مدرسة الجالية الأمريكية في بيروت، واكتسبت خبرة في التدريس، وبعدها اختارتها مدرسة “إي سي أس” لتعديل مناهجها.
عملت مريم كأستاذة في برنامج تدريس اللغة العربية للأجانب في الجامعة الأمريكية في بيروت، بعد أن أنهت دراسة الماجستير، انتقلت للعيش في لندن. عملت منذ ذلك الحين أستاذة لغة عربية في جامعة سواس.
عن روايتها الأخيرة ومنجزها الإبداعي عموماً كان لـ “الشبكة العراقية” معها هذا الحوار الخاص:
** الهواجس الإنسانية المتناثرة في لغة السرد تجعلني أتساءل هل بطلة روايتك الأخيرة (تيريزا اكاديا) هي صوت النساء المعذبات في العالم العربي أم هو صوت لامرأة واحدة؟
•تيريزا أكاديا ليست امرأة عربية، بالرغم من أن والدها لبناني لكنها ولدت في إيطاليا في بورتوفينو، وربتها امرأة إيطالية غريبة الأطوار، لذلك لا أعتقد أنها تحمل قضية المرأة العربية المعذبة تحديداً، أنها المرأة الباحثة عن الحب الذي لا هوية له. الحب الذي لا يصنف ولا يعطى جنسية. ربما كانت تبحث عن الحب كي تكتمل حقيقتها.. ذلك الشعور الذي يبلور الداخل ويصقل صاحبه ويمنحه حرية التحليق بعيداً. تيريزا أكاديا هي كل أنثى تمنح الحبيب انتماءً صادقاً وتتحدى الصعوبات بغية الوصول لنقطة التماهي معه. فالمرأة العاشقة عربية كانت أم أجنبية تتكلم لغة عشق واحدة.. تصلي فوق مذبح عالمي واحد وتكسر فوقه قرابين الذات لترفع عالياً كأس المحبة. كما قال درويش على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. فالحب بكل مفاهيمه هو ما يستحق أن نحيا لأجله وربما تيريزا أرادت أن تصل إلى الحب كي تستحق الحياة.
** هل الاخفاق في الحب بالنسبة لبطلتك يرسم لنا ملامح زمن تغيبت فيه العاطفة الإنسانية؟
•لا يمكن وصف الزمن الحالي بأنه زمن تغيبت فيه العاطفة الإنسانية، قد يكون زمن الانحدار على المستويات كافة، ولكن العاطفة الإنسانية جزء من تكوين الإنسان ولا تغيب إلا بغيابه.. وهذه العاطفة التي أتكلم عنها لا تقتصر على قصة حب بين عاشقين. العاطفة قد تنام ولكن لا تموت. والحب ينمو بين الأشواك وفِي أصعب الظروف. وحتى القلوب المظلمة قد يبقى داخلها نور خافت يحتاج من يوقظه. وهنا أستحضر درويش مرة ثانية في مطلع قصيدة أحبها لما تحمل من أبعاد إنسانية جميلة. وصف فيها ولادة العشب بين مفاصل الصخرة ولادة الحب من صلب القسوة وقال:
كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة وجدنا غريبين معاً وكانت سماء الربيع تؤلف نجماً ونجماً وكنت أؤلف فقرة حب.. لعينيك غنيتها!هذا الكون مجهز للحب الذي يروي الروح.. لذلك غيابه قد يعني الموت ..وأنا شخصياً أعتقد أن الحب أقوى من الموت
**نصك الروائي الأخير يحفل بتأكيد الأسطورة والتاريخ مع انتقالات في الأمكنة والجغرافيا، التساؤل هنا هل يمكن أن يكون استحضار هذه الأشياء نتاج رفض للواقع الذي نعيشه؟
•لا علاقة لرفض الواقع الذي نعيشه بالتنقل في الأمكنة والجغرافيا واستحضار الأسطورة، التنقل بين الأمكنة يثري الرواية ويقربها من طبيعة حياتنا اليوم. فنحن في زمن أصبح السفر فيه جزءاً لا يتجزأ من أيامنا. كما يساعد الشخصيات على النمو والتغيّر ويساعد على تطوير الأحداث وتشويق القارئ وتحريك مخيلته ،أما استحضار الأسطورة فهي بدافع سكب قالب من الغرابة والسحر كي يخرج النص الروائي من رتابته وبما أن الحياة مليئة بالغرائب تأتي الأسطورة أحياناً لتدعم واقعاً غريباً لم نجد له تحليلاً ضمن المنطق، ففي سبيل المثال وليس الحصر شخصية ميخائيل عوّاد شيخ البحر جليل في رواية تيريزا أكاديا وعلاقته ببوسيدن تساعد القارئ على فهم غرابته وتقبلها
** أود أن أسالك عن سبب استدعائك للنص الشعري في كتابة الرواية؟
•الشعر هوية لا يمكنني التخلي عنها، ولكني أحاول جاهدة أن أكتب بأسلوب شعري يثري النص ولا يؤثر سلباً على السرد الروائي.أوظف الشعر في خدمة الرواية وأحرص كل الحرص على أن لا يتغلب الشعر على طبيعة النص الروائي.
** بتصورك هل ثمة ما يوحي بأن النص يحمل صراع مكونات وطبقات اجتماعية واختلافاً عقائدياً؟
•أحاول دوماً أن أشير في نصوصي إلى أهمية الحياة المشتركة في تعدد أديانها وطبقاتها ورفع قيم التسامح والتعايش في سلام ونبذ التعصب والطائفية، كما أحاول أن أؤكد على تسامح الأديان. ولم يكن هدفي بتاتاً في أي من كتاباتي أن أبرز اختلاف عقائدي لأني أؤمن بأن الإنسان هو الحب والحب لا دين له سوى الحب، ربما الصدف أخذت تيريزا أكاديا إلى دير عتابا ولكني حرصت أن تكون بائعة الحليب فاطمة مسلمة وكانت تدخل الدير وتخرج منه كأحد أبنائه، فقط أردت أن يتنقل الحب بين أمكنة مختلفة.
**من خلال مساحة الحرية في الكتابة وكسر المحرمات وأنت تسردين تصوراً من الإيحاء الجنسي الشبقي في متن الرواية.. إلى أي مدى يمكن للكاتبة أن تكسر القيود الاجتماعية في نصها وتجد لها حركة واسعة لتسرد ما يجول في ذهنيتها وذاكرتها؟
•الكتابة يجب أن تكون حرة بالمطلق، وكسر التابوهات مشروع في النص الأدبي. لكن الإيحاء الجنسي يجب أن يكون موظفاً داخل النص لخدمته وللضرورة الفنية وليس بهدف تحريك غرائز القارئ. مريم الكاتبة تختلف عن مريم الإنسانة، مريم الإنسانة تعيش ضمن ضوابط اجتماعية وتقاليد معينة وتحمل جنسية عربية، أما مريم الكاتبة فهي طائر ينتمي للسماء.لا شيء يُحد من حريته
** هل يمكن أن نشير كقراء لروايتك بأن العاهة الجسدية في اغسطينو تمثل مرجعاً نفسياً حاداً لتمرد المرأة على صرامة الرجل بمعنى أنك تضعين تلك العاهة لتشويه سلوكية بعض الرجال؟
•لماذا يجب تشويه صورة الرجل وهو الأب والأخ والحبيب والابن. لا أؤمن بالانتقام لا من خلال النص الأدبي ولا في الحياة الاجتماعية. ولكني أؤمن بضرورة تثقيف جيل الشباب في المدارس والجامعات. فلا مجتمع يتطور من دون تطوير كيان المرأة التي تعد التربة التي تنمو منها الأجيال. لذلك أشدد على أهمية عمل المؤسسات الحكومية في البلدان العربية وجمعيات حقوق المرأة والمثقفين لمحو الأمية المنتشرة في بعض القرى العربية وبالتالي تشجيع المرأة على ادراك حقوقها وفهم أهمية المساواة بينها وبين الرجل.