السوبرهيرو اليهودي في السينما الأمريكية

95

حسن جوان /

لا يخفى هيمنة اللوبي الصهيوني على أكبر مصنع سينمائي عالمي في هوليوود. وقد حرصت سياسة هذا اللوبي على اختيار أعظم السيناريوهات وأكثرها حبكة لتقديم الفرد اليهودي في أفلامها كبطل مأساوي مرة، ومرة أخرى كبطل خارق “سوبرهيرو” تتغير مصائر الأفراد والأمم على يديه.
ويأتي هذا التلميع القسري للمؤسسة المنتجة لكل ما يمس الشخصية اليهودية -وهي لا تسمح لأي ممثل غير يهودي الديانة بأداء دور تمثيلي لشخصية يهودية بالمطلق- وهذا جزء من تدريب نفسي يفوق فكرة الدعاية التي استخدمتها اليهودية السياسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما واكبها من حملات موجهة ضد النازية في مقابل تعظيم فكرة خسارة البشرية لأفراد يهود هم رموز للثقافة والموسيقى والسلام.
هنا لن تتوقف قصص الضحايا الذين اضطهدتهم الماكنة النازية وغيرها في حقبة سابقة لم تستثنِ أحداً بسبب دينه او عرقه، بل ما زالت قصص البطولات والمواهب تختار أفضل السيناريوهات المعاصرة لتستمر في توطين فكرة البطل اليهودي الخارق المزعوم الذي كان محوراً أساساً في صناعة النصر وإنقاذ الحضارة البشرية وكأن المفترض الآن أن يستحق التقدير والحماية لأنه “سوبرهيرو” لا ان يتنبّه العالم الى الصواريخ التي يطلقها أحفاد هذا السوبر على مضاجع الأطفال في أيامنا هذه.

سارقة الكتاب
يستند هذا الفيلم الى رواية الأسترالي ماركوس زوساك الصادرة عام 2005 بالعنوان نفسه، الفيلم من اخراج براين بيرسيفال وبطولة صوفي تيلسي وجيوفري راش واميلي واتسون. يروي الفيلم قصة فتاة في التاسعة من العمر تتبناها عائلة المانية إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت العائلة تؤوي شاباً يهودياً هارباً من الأمن النازي، فيختبئ في قبو المنزل ،وهناك يتولى الشاب “ماكس” تعليم الفتاة “ليزيل” القراءة والكتابة سرّاً تحت وابل القصف الذي تتعرض له المدينة، فتقضي العائلة فترات القصف رفقة الشاب في القبو طلباً للاحتماء. وهنا تتطور حبكة الفيلم عبر هذه الشعلة “القراءة” فيحدث بعدها ان يجمع النازيون الكتب المضادة للنازية لاحراقها في ساحة عامة فتتسلل ليزيل خلسة لتسرق أحد الكتب قبل أن تنال منه النيران وتهرب به. كل ما يتبع ذلك هو تداعيات مشرقة لهذا الفعل البطولي الذي أوقد شعلته ذلك الشاب الخارق الذي علم الحرف وحب الحرية وأنتج بعد ذلك أجنحة كثيرة من العاطفة والمأساة والبطولة. وقد حصد إيرادات هائلة في شباك التذاكر، وباقة من الجوائز من المؤسسات والجمعيات اليهودية، فضلاً عن الجوائز التي نالها الكتاب نفسه.

البيانست
فيلم “عازف البيانو” اليهودي وسط انقاض القصف المرعب للنازية على المدن البولندية، أخرجه رومان بولانيسكي وبطله ادريان برودي وهو يروي قصة عازف البيانو اليهودي فلايسلاف شبيلمان، وقد انتج عام 2002. بعد قصة طويلة ومعاناة شبيلمان/ برودي وهروبه من الجيتو اليهودي الذي فرضته الشرطة العسكرية النازية يحدث ان يلتقي تحت سقف مهدم ضابطا ألمانياً فيخبره أنه بيانست كان يعمل في الإذاعة العامة في وارسو لكن الضابط لا يصدق هذا الادعاء ويطلب منه دليلا بالعزف على البيانو الموجودة في ذلك المكان بمحض صدفة، فكان ان عزف شبيلمان مقطوعات أذهلت الضابط الألماني وتأثر كثيرا له، ثم أحاطه بعناية استثنائية انقذته في كثير من المواقف بعدما توطدت بينهما صداقة تدور حولها أحداث دراماتيكية مشوقة للغاية.

العدو على الأبواب
الفيلم من بطولة جود لو وإد هاريس ومن كتابة جون جاك وإخراجه، وتدور أحداثه في معركة ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية أيضاً. ويستند الى كتاب وليام كرايغ. وتدور احداث الفيلم الرئيسة حول حرب ثنائية ومطاردات دموية بين القناص السوفييتي فاسيلي زايتسيف والقناص الألماني ارفين كونيج. لكن الطرف الأهم في إدارة الصراع هو اليهودي السوفييتي دانيلوف الذي صنع اسطورة فاسيلي القناص الشاب الفطري الجبلي بين صفوف الجنود فضلاً عن البطلة اليهودية الحسناء رايتشل ويسز التي اشترك في حبها البطلان فاسيلي القناص ودانيلوف اليهودي. ولم تكن حرب القناصين المحترفين لتنتهي لولا إدارة دانيلوف العبقرية وأخيراً تضحيته بحياته لكشف مكان القناص الألماني الذي اعتقد عبر هذه التضحية ان دانيلوف هو القناص فاسيلي فكشف عن نفسه في العراء ليقتله فاسيلي وتنتهي المعركة الأخيرة لصالحه ولكن بتضحية من البطل المأساوي دانيلوف.

تمجيد مقترن بأخطاء
في النماذج السينمائية الثلاثة يفوت بعضَ صانعي هذه التراجيديات البطولية جملة من الهِنات التي لا تجعل من القصة صافية بالكامل مع حرصهم الشديد على ذلك الصفاء في رسائل المحتوى الفكرية. في فيلم سارقة الكتاب الذي يرويه صوت الموت كان القصف الوحشي الذي تتعرض له المدينة وأودى بحياة نصف أبطال الفيلم يأتي من قبل الطائرات البريطانية الحليفة لليهود. وفي البيانيست كان البطل المثقف الذي قدّر العازف وتعاطف معه هو الضابط الألماني وهو من عرّض نفسه للخطر بذلك وانتهت حياته أسيراً في المعتقل السوفييتي. وأخيراً فالعدو على الأبواب هو قصة انتحار لا تضحية من دانيلوف بعد أن اختارت حبيبته الشاب فاسيلي عشيقاً لها، رغم تفخيم دوره الدائم أمام الدور المباشر لمعركة القنص اليومي بين ندين بلا رحمة.