الغرس الأول.. أسرار “البروفة” مع جواد الأسدي

460

مناضل داود/

أن تقبل في معهد الفنون الجميلة طالباً في قسم المسرح ويتولى تربيتك معلم اسمه (بهنام ميخائيل)، هذا يعني أنك ستتبع تعاليم صارمة من راهب يغرس فيك بذرة العشق الأولى للمسرح ويعلمك اسرار السدنة الذين يهبون ارواحهم للمسرح.

وهم بذلك يخضعون لقوانين اخلاقية تضعهم في الطريق الصحيح لبداية التفنن في بذل الروح للوصول الى الهدف المنشود وهو : كيف لك أن تصبح ممثلاً محترفاً يشار لك بالبنان كلما ارتقيت خشبة المسرح،ويمكن للحظ أو الصدفة أن يلعباً دوراً مهماً في سني الدراسة الأولى حين يكون المربي بعد بهنام ميخاييل أحد أعمدة المسرح العراقي وأعني تماماً المخرج الكبير قاسم محمد وهو يسلب عقلك وروحك ويضعها في الطريق الصحيح للبروفة مستنهضاً طاقاتك كلها مجيداً بذلك ادارة موهبتك لتقف على الخشبة مسترخياً وبحضور لافت .
بعد سنوات طوال من العمل المحترف على خشبات متعددة في المسارح العربية والعالمية يقرر جواد الأسدي أن يقدم عرضه المسرحي في بغداد وأن تكون البروفة في (منتدى المسرح) مؤمناً ايماناً تاماً بالممثل العراقي حاملاً معه كتابة جديدة لقصة انطوان تيشيخوف (العنبر رقم 6) .

اختيار الممثل وحلول المخرج

على المخرج المحترف أن يجتاز المهمات الصعبة وأولها اختيار الممثلين، وبما أن منتدى المسرح هو خيار جواد فلابد أن للشباب من الممثلين النصيب الأكبر من الشخصيات التي ينطوي عليها النص، فاختار جواد الشاب الموهوب (حيدر جمعة) لشخصية (ايفان) و يحيى ابراهيم لشخصية (آندريه) وسهى سالم لشخصية (ميخايلوفا) والشابة رضاب لشخصية (داريوشكا). اعتذرت سهى سالم ـ فاتصل بي جواد وعرض علي العمل فوافقت فوراً على دور ميخالوفا الذي اقترح جواد أن يقلبه رجلاً ليكون اسمه (ميخايلف)ن وما أن بدأت القراءة في البروفة الأولى أوقف جواد البروفة فغير يحيى الى شخصية أخرى واسند لي دور (آندريه) وميخايلف الى الممثل (فلاح ابراهيم)، انسحب يحيى لأسبابه المحترمة، وبعد يومين انسحب فلاح ابراهيم لسوء حالته الصحية ولم تكن الشابة رضاب التي اختارها الشباب لجواد مناسبة لدور (داريوشكا) فخرجت ايضاً، التحق بنا الممثل إياد الطائي فاسند له جواد عدة ادوار من (مجانين العنبر) اضافة الى شخصية خوبوتف، وتغير دور (داريوشكا) الى (ايغوركا) والذي جسده الشاب (أمير احسان) وكان خوبتوف من تصيب الممثل (جاسم محمد) فاستمرت البروفة لاكثر من اسبوعين على هذا الخيار.

الإطاحة بالنص

كتب تشيخوف نصوصه لممثلين يعرفهم جيداً عبر مشاهداته لعروض ستانسلافسكي وأعني أنه يعرف مستوياتهم الابداعية ناهيك عن اشكالهم ، فماذا حصل مع جواد الأسدي بعد هذه الصدمات في اختياره للممثلين؟ جواد الأسدي مجنون من طراز خاص بالبروفة لايمل ولايكل فهو يتمرن مع ممثليه من الصباح حتى المساء، تبدأ البروفة جماعية وتنتهي مع ممثل واحد، ومن هنا يتعرف جواد على ممثليه ويكتشف مدى قدراتهم وهو يدخل الى اعماقهم، فبعد انسحاب الممثل فلاح ابراهيم اسند جواد شخصية (ميخاييلوف) الى اياد الطائي بعد أن وجد في اياد الحرص والالتزام الكامل والانتماء الحقيقي للبروفة، كتب له مشاهد اضافية عززت من شخصية (ميخاييلوف) وارتقت بالمتن النصي. وبما أن جواد من رواد مسرح بغداد، فقد كتب عن تاريخ هذا المسرح العريق الذي يعتبر من أهم المسارح العراقية والذي للأسف الشديد تتكوم الأزبال عند ابوابه، ومما اثارنا أن جواداً بدأ يستذكر مع شخصية (ميخاييلوف) امجاد شارع الرشيد الذي قتله الإهمال وتحول من شارع يضج بالمقاهي الثقافية والمكتبات العريقة ودور السينما التي ارتقت بذائقتنا في سبعينات القرن الماضي فتحول النص عراقياً بعد أن كتب الكثير من المشاهد الجديدة لـ (أياد الطائي) ومن ثم للشاب المجنون بحب المسرح ( أمير احسان ) الذي لعب دور (ايغوركا).

الإطاحة بالأداء

لايستقر مخرج باحث مثل جواد الأسدي على نمط واحد من الأداء، فهو يبني ويفلش. وبما أن جواد يعرف قدراتي الأدائية فقد تركني في الأيام الأولى اتلمس الدور الذي نما تدريجياً، فبعد اسبوعين بدأت انحت في الشخصية فقدمت طبقة صوتية جوانية خالصة فأوقفني متسائلاً : هل تقصدت هذا الأداء ؟ قلت : نعم ، قال اذاً هذا هو اندريه، ولكنه بعد اسبوع اقترح نمطاً آخر من الأداء مطيحاً بالاستقرار الذي تشبثت به ترددت على تفليش ما بنيناه سوية، وما سأعترف به الآن هو التالي : أنا أخاف من طبقة صوتي القوية واتعلم من اخطاء الآخرين من الممثلين الذين يحبون اصواتهم، لذلك جرى نقاش طويل في كيفية استخدام طبقة الصوت (القرار). وبما انني اكره القوالب الجاهزة واثق به كمخرج يحسن ادارة ممثليه، بدأت أجرب استخدام هذه الطبقة بحذر شديد وهدوء تام متوافقاً مع روح شخصية (آندريه). وبتشجيع كبير منه استقر ادائي للشخصية حتى العرض الأخير اضافة الى الارتجال الذي اقترحه امامه وصلنا معاً للنتجية التي ظهرت في العرض ـ حتى هذه اللحظة اشعر بمتعة البروفة ـ لقد فعل جواد نفس الشيء مع حيدر جمعة الذي كان يعاني كل يوم من ادائه وهو يهمس لي (قد غير الأداء) وهو يبتسم بعد أن اعتاد على قلق هذا المخرج المجنون .

الحرية في التمثيل

أن تعمل مع مخرج محترف لايرضى عنك بسهولة، فعليك أن تقترح كل يوم شيئاً يعزز من ادائك للشخصية. فجميعنا أحب الفتى (أمير احسان) وهو يصل الى المنتدى من كلية الفنون الجميلة حيث يدرس طالباً فيها مشياً على الأقدام وقدمنا له العون بمحبة كبيرة فأسند له جواد الشخصيات التي تمرن عليها الممثل (إياد الطائي) واحدة تلو الأخرى وهو يؤدي بفخر وسرور تامين، ولما كان اخلاصه كبيراً فقد تمتع مع جواد بتمارين خصصت له وحده فكان مثل طائر حر مغرد بعدة اصوات تسحر سامعيه، ففي ايام العرض كان أمير يتمرن مع مجموعة الشباب لوحده، نستمع الى صوته ونبتسم لهذا الجنون الجميل، نعم كانت الحرية لنا ملاذاً في البروفة نأتيها كما العطاشى نغرف من المخرج وننتشي ونحلق، نأكل يوم السبت ونشرب الشاي ونحن نتندر على بعضنا البعض بفكاهة شفافة تزيل عنا عرق البروفة الطويلة .

ورشة مسرحية

استدعى مدير المنتدى القديس ـ لم أر إخلاصاً وأدبآ جماً كما لمسته عند (حيدر جمعة)- مجموعة شباب من طلبة المعهد فادخلهم جواد الى العرض عبر ورشة مسرحية وعلمهم فن الجنون فكان حضورهم متناسقاً وخفيفاً.. تجسد ذلك عبر حب الطلاب لعملهم وهمش يخوضون تجربة على مسرح محترف.

داعش والموسيقى

قال جواد: نحتاج الى عزف حي فالعرض يحتاج الى آلتي الكمان والجلو فاستدعى حيدر جمعة صديقه الذي لم نكن نعرف من هو فأتى شاب مهذب هادى الطبع وجلس بيننا فقال له جواد: نحن في عنبر المجانينن فقال الشاب: لقد مررت بهذه التجربة. وبدأ يحكي بهدوئه الذي اعتدناه لاحقاً : كنت اعزف في بيتي في الموصل حين دخل داعش فقالوا أنت مصاب بمسّ من الجنون وأنا اعزف على الكمان فمسكوا رأسي وقالوا يجب علينا أن نخرج الجني من رأسك فبقيت سنة ونصف وأنا أمثل دور المجنون لكي أحتفظ برأسي. ثم عزف لنا مقطوعة من تأليفه ابكتنا جميعاً ونحن نرقب هذه الثروة الوطنية.. إنه الفنان أمين مقداد الموسيقي الذي لعب دور أحد المجانين في هذا العنبر ، إنه الفنان الذي انقذته موسيقاه من همج يتلذذون بالذبح، فمرحى للموسيقى التي تعطي العالم الحياة .

نقد البروفة

الناقد صميم حسب الله دخل التجربة مع جواد قبل الجميع، اتفقا على أن يكون مساعداً للمخرج، فكان عوناً حقيقياً لنا جميعاً، كان جواد يوكل له مهمة التمرين الثاني أي بعد أن ينتهي جواد من التمرين مع حيدر جمعة وأمير يكمل صميم معهم ليكون سنداً حقيقياً لتعاليم المخرج اضافة لعينه المراقبة الحادة وعقله الراجح في تفسير النص واكتشاف مواطن الغموض فيه ، كنا نخوض نقاشات واسعة في الأيام الأولى لتذليل العقبات التي تساعدنا على فهم النص ومضغه، خاصة ونحن ندرك جميهاً أننا نرتقي بالنقد فكانت الطاولة تتسيد حوارتنا المثقفة وحتى خلافاتنا في وجهات النظر التي تستقيم بعد الروح النقدية والتي دائماً ما يستمع لها المخرج بشجاعة وعقل راسخ وهذا ماحصل مع صانع الضوء علي السوداني الذي بدأ يشرح مفهومه للضوء فمازحه جواد: لاتشرح ياعلي وأرني مقترحاتك وسأقول لك ما أريد. وبخفة العارف وقف علي على الخشبة وهو يؤثثها بضوئه المبهر وحين استمع الى ملاحظات المخرج وفهمه درجة حساسيته للضوء كان العرض مبهراً بالضوء وقدم فضاءً متقدماً. لايمكنني أن أنسى مدير المسرح (بهاء خيون) وهو يتحرك بهدوء الأنبياء ليعيننا في البروفة وخلف الكواليس طيلة أيام العرض، آه لقد انتهى العرض وبقيت اسرار البروفة تطوف حولنا مثل أم لاتقبل مفارقة أولادها.