الفضائيات وطموح المتلقي بإعلام مستقل

351

فرات ابراهيم /

سنوات هي الحصيلة النهائية لما مرّ به العراق بعد السقوط حين تأسست قنوات إعلامية وإذاعات محلية وصحف، كلها شاركت بصنع إعلام جديد يختلف كلياً عن إعلام المانشيتات الجاهزة في الزمن الأغبر. والسؤال هو: هل استطاعت هذه الفضائيات، ومع كل هذه المساحة من الحرية المتاحة للإعلام، أن تشكل إعلاماً حقيقياً مستقلاً يخاطب هموم الناس ومعاناتهم بعيداً عن أية أجندة حزبية أو خارجية؟
توجهنا بهذا السؤال إلى عدد من الإعلاميين والفنانين فكانت هذه آراؤهم:
الإعلام ما بعد التغيير
يؤكد االكاتب والشاعر (عبد الخالق كيطان) أن من أبرز ملامح إعلام مابعد التغيير هو في تناسل الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى ويجزم بقوله، وبجرأة كبيرة: هو تناسل فرضته أسباب عديدة، أولها انهيار الديكتاتورية وتوسع وسائل الاتصال العالمية، ما جعل المتلقي يبحث بشكل دائم عن الطريقة التي يتابع من خلالها الأحداث المفضلة.
والفضائيات العراقية لا تشذ عن ذلك، أي أنها كانت نتيجة طبيعية للتطور الاتصالي العالمي، لكن الذي حصل في العراق هو دخول أعداد كبيرة من “الطارئين” إلى المهنة الإعلامية، والسبب يكمن في حاجة وسائل الإعلام الكثيرة، التي تناسلت بعد التغيير، للكوادر البشرية.
لم تكن الكوادر التي عملت في وسائل الإعلام هذه من الكوادر المدربة، ولا الأكاديمية، بل في أغلب الأحيان كانت كوادر صعدت إلى واجهة الضوء بفعل الحاجة وربما العلاقات، ما انعكس سلباً على أداء تلك الوسائل. والآن هل نستطيع أن نشير إلى فضائية عراقية معينة تستطيع أن تمثل منافساً في السوق الفضائي؟ والأمر ينطبق على وسائل إعلامية أخرى، الصحافة مثلاً.
المال السياسي
إن من الواضح في تجربتنا الإعلامية العراقية بعد التغيير ذلك التشابه الكبير بين وسائل إعلامنا، تشابه فرضته ظروف إنشاء تلك الفضائيات وتشابه كفاءات المشتغلين فيها. الممولون لوسائل الإعلام العراقية هم في الأغلب لهم صلات بالسياسيين إن لم تكن وسائل الإعلام العراقية واجهات سياسية بطريقة أو بأخرى. والمال السياسي في العراق مرتبط بأهداف أصحابه، لا تهمهم المهنية، ولا يهمهم وجود كوادر متخصصة، بقدر اهتمامهم بتمرير أخبارهم وأخبار نشاطاتهم الحزبية والسياسية. بل إن بعضهم يبتز البعض الآخر من خلال الفضائيات، وبعضهم يذل العاملين عنده بطريقة مهينة ولا أخلاقية. الأمر كله انعكس على أداء الفضائيات العراقية، وهذا ما اسميته التشابه في عملها.
هل ستفرز الحالة نتائج إيجابية على المدى القريب؟ شخصياً لا أعتقد ذلك، بل أعتقد أن هذه الظاهرة ستتكرس. الإعلام العراقي بحاجة إلى مال لا يرتبط بالسياسة، وهو أمر مستحيل حالياً. أصحاب رؤوس الأموال الخاصة، والأثرياء، والنخب المتنورة، لا يجرأون على المنافسة في هذا الميدان لأسباب كثيرة.
مع ذلك لا نعدم فوائد لهذه الفضائيات، أبرزها تدريب جيل جديد من العاملين، والانفتاح على اختصاصات إعلامية وصحافية جديدة، وتدشين عصر المنافسة، والبحث عن بدائل واقعية في العمل.
فهم خاطئ جداً
بينما يؤكد المؤلف والسينارست أحمد هاتف أن القنوات التي تسمح ببث الخطاب الحقيقي أصبحت معدودة، والقنوات مدفوعة الثمن هي الرائجة الآن، والإنسان الحقيقي أو النظيف لايمكن أن يعتمد مثل هذه القنوات لأنها قنوات مؤقتة، وأقولها بصراحة إنها قنوات مأجورة!
وما يحصل الآن من إنتاج تقف خلفه قنوات فضائية عراقية وعليه يجب أن يعرف المؤلف أية قناة ستنتج هذا العمل، وما سياسة هذه القناة ومن يقف خلفها، هذه أسئلة على المؤلف أن يطرحها قبل الشروع بعمله، السبب في عدم تواجدي في أكثر من موسم رمضاني هو بسبب موقفي من بعض القنوات ودورها المشبوه، هذه القنوات تذهب ويبقى المشاهد، لا أعرف ربما لدي حساسية زائدة على اسمي، أعتقد انها مهمة واحترام للذات.
فالمحطات الفضائية تمارس واحدة من أقذر الرقابات في تأريخ العراق، للأسف فهمنا للديمقراطية فهم سطحي على الرغم من أن الآليات الحقيقية موجودة في الدستور العراقي وفي القانون العراقي، لكن فهم الآخرين للرقابة فهم خاطئ جداً ولهذا أزحنا رقابة وجئنا برقابات عدة، أنا مع التغيير فكراً وقلباً لكني أضع (فيتو) على الكثير من علامات التغيير، وأقول إن ما تم تقديمه بعد السقوط من أعمال درامية أعمال ذات مسحة نفعية مهمتها التحريض وليس البناء كما أنها غير متوازنة سياسياً، وأقولها مع الأسف إن بعض الكتّاب ركب الموجة، الكاتب ينبغي أن تكون له رؤية شخصية واضحة للأمور وأن تكون لديه مصدات، لكن بعض الكتّاب العراقيين بأعمالهم تلك أساءوا إلى سمعة الكاتب الدرامي في العراق.
الفضائيات والانقلابات السياسية
الكاتب والصحفي عبد الستار البيضاني يرى أن من الكبائر التي اقترفها أولياء أمرنا السياسي بعد السقوط هو عدم شعورهم بأهمية الإعلام في هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ العراق، ويؤكد البيضاني:
وكذلك بالنسبة للعالم وللإعلام الذي وصلت أهميته إلى الذروة عندما قدم الدليل العملي على أهميته من خلال اعتماد قنوات فضائية بعينها لإحداث انقلابات سياسية جذرية وخطيرة في المنطقة من دون الحاجة إلى (المعارضات) بشقيها السياسي والعسكري ولا التنظيمات السرية، ودليلنا على ذلك (الربيع) العربي.
فقد خاض الشعب العراقي مرحلة التغيير من دون غطاء إعلامي يضيء له الطريق أو يحميه من الإعلام المضاد ذي الأجندات الإقليمية، وكان الوضع من الخطورة أن موضوعاً بسيطاً أو تصريحاً في الفضائيات مدعاة لخروج عشرات الآلاف للتظاهر وعشرات السيارت المفخخة وقطعان الانتحاريين، لا بل إن بعض التصريحات أثرت حتى في نتائج الانتخابات وموقف الشعب منها، وكل هذا الضجيج وأصوات الانفجارات وأنين الضحايا والدم لم يوقظ أهمية الإعلام في أذهان الطبقة السياسية الحاكمة.
التوجهات والتمويل
البيضاني أوضح: تنقسم الفضائيات العراقية، شأنها شأن الإعلام العراقي عموماً من حيث التوجهات والتمويل، إلى ثلاثة أقسام هي: حكومية وحزبية ومستقلة، مع وضع خط أحمر تحت كلمة (مستقلة)، وأعتقد جازماً أن جميع الفضائيات التي تنضوي تحت هذه التسميات ليس في أجنداتها وحتى في تفكيرها أي شيء يخص بناء الإنسان العراقي، ولاحتى بناء إعلام مهني، فجميعها تعمل لأهدافها الضيقة، وقد لا أجد حرجاً في قولي إن أغلبها تخرب ولاتبني، خاصة بعد أن جعلت المواطن مادة وميداناً وأداة لخوض صراعاتها لصالح أجنداتها الخاصة!.
البيضاني يضيف: وإذا كنا قد تحدثنا ضمناً عن الفضائيات الحكومية، فإننا لانملك الشيء الكثير الذي يجب أن نقوله للفضائيات الحزبية، غير طموحنا بأن تلتزم بالمهنية، وهذا طبعاً لايمنعها من أن تسهم في بناء المواطن، لا بل في صلب واجباتها أن تستقطب المواطن بالأداء المهني قبل التفكير بأهدافها الآيديولوجية، وأعتقد أن المصيبة الكبرى تكمن في الفضائيات التي تصنف تحت عنوان (مستقلة) والتجارية منها على وجه الخصوص، فهذه إما أنها تعمل على وفق ما يقدم لها من هذه الجهة السياسية أو تلك، أو الدولة الفلانية وقد انكشف بعضها للجمهور، والجميع يعرف أنها باتت قنوات ابتزازية تتعامل مع الضحية والجلاد أمام الملأ، وقد وجدت لها سوقاً رائجاً في فضائح الفساد المالي والسياسي الذي يضرب أطناب الدولة والسياسيين معاً، فهي تقترب من أن تكون قنوات فضائحية بامتياز، وبرأيي المتواضع فإن هذه الفضائيات أكثر خطورة من القنوات الحكومية والحزبية، لكون تلك معروفة التوجهات وهذه تتستر تحت شعارات براقه مقرونة بإداء مهني وتقني لاتمتلكه القنوات الحكومية والحزبية.
وتحت تصنيف القنوات المستقلة يمكن إدراج القنوات التجارية والتي تصنف بأنها فنية.. فهذه جبهة تهديمها غير تلك ولايسعنا المجال هنا للتحدث عنها بالتفصيل، وإذا ماعلمت أن بلداً صار فيه فتح قناة فضائية أسهل من فتح (جنبر) على رصيف الشارع ، وهو بلا قوانين إعلامية، وحكومته بلا برامج ورؤية للتعامل مع الإعلام، فعليك أن تتخيل نوع المواطن الذي يولد أو يعيش في هذا البلد.