الفنان الدكتور رياض شهيد: المسرح أساس الممثل.. وإلاسيكون طارئاً..

55

حوار : محسن ابراهيم /

في بيئة متشابكة الأفكار والثقافات كانت النشأة الأولى له، لتتكون شخصيته الفنية والثقافية، ما دفعه الى دخول كلية الفنون الجميلة بعد أن كان قد اشتغل على المسرح في المرحلة الإعدادية. فنان وأكاديمي قدم العديد من المسرحيات والأعمال الفنية التي تركت بصمة واضحة في خارطة الفن العراقي. الفنان الدكتور رياض شهيد حل ضيفاً على مجلة “الشبكة العراقية” فكان هذا الحوار: *البيئة والطفولة لهما تأثير خاص على حياة الإنسان، كيف كان تأثيرهما عليك كفنان؟
-أنا من مواليد مدينة الديوانية، وفي تلك الفترة كانت الديوانية مدينة متشابكة من حيث التوجهات والأفكار الثقافية، وشهدت تلك الفترة صراعات حزبية وسياسية وفكرية. هذا الواقع كان له الأثر الكبير على تشكل الشخصية الفنية والثقافية. وهذا التكوين للشخصية، مع بوادر الموهبة في مجال التمثيل، دفعت بي الى المسرح. وفي تلك الفترة كان هناك رعيل من خريجي معهد الفنون وكلية الفنون الجميلة قد شكلوا حضوراً مسرحياً كبيراً في المحافظة، واشتغلنا معهم، ولاسيما في مرحلتي المتوسطة والإعدادية. أنا شخصياً كانت بدايتي في الرابع الإعدادي، تلك البداية كانت الدافع الحقيقي لدخولي الى كلية الفنون الجميلة، طبعاً بعد التخرج، وكنت الأول على دفعتي، وكان هناك معي زملاء رائعون هم الآن فنانون كبار، منهم محمود أبو العباس والراحل شفيق المهدي وسناء عبد الرحمن وستار خضير، والكثير من الأسماء التي شكلت ووضعت بصمة واضحة في ساحة الفن العراقي، وبعد ذلك اشتغلت مع فنانين كبار أمثال قاسم محمد وفاضل خليل وإبراهيم جلال وعقيل مهدي.
*ما الذي يغريك في تجربة الإخراج؟
-في ما يخص تجربة الإخراج بالنسبة لي، أعتقد أن ما دفعني الى ذلك هو أن هناك هوساً في أن تقود فكرة العرض المسرحي من النص والممثلين والتقنيات. استهوتني هذه الفكرة كثيراً، ولكنها فكرة خطيرة أن تكون مخرجاً مسرحياً، وبالتحديد في المسرح العراقي، وهذا موضوع خطير لأن المسرح العراقي مسرح متقدم، بل إنه الوجه المشرق للمسرح العربي. بدأت تجربتي في الإخراج حين كنت طالباً، إذ أخرجت حينها مسرحية (جوهر القضية) لفرقة الفن الثوري في الديوانية. بعد هذا العمل كان عمل (البكاء في غياب القمر) للكاتب السوري وليد خلاصي، ومن ثم العمل الأهم الذي كتب عنه الكثير وهو (نديمكم هذا المساء). الحمد لله أني كنت متأنياً ودقيقاً، ولم أكن أكثر من الأعمال، كانت التجارب قليلة لكنها مهمة. اشتغلت بعد ذلك على عمل مهم أيضاً (تفاحة القلب) وهو من تأليف فلاح شاكر، وهو عمل مشاكس آخر.
*هل على الفنان أن يكون أكاديمياً لكي يستطيع التحرك في كل مساحة؟
-الجنبة الأكاديمية مهمة للفنان لأنها تضع كل المفاتيح بين يديه، فتراه متفوقاً في السينما والتلفزيون والمسرح, فضلاً عن أنها تجعله دقيقاً ومنتقياً جيداً للأعمال، وتخلق لدى الفنان فكراً عالياً ومجال وعي كبيراً في تناول العرض المسرحي، إن كان مخرجاً او ممثلاً، فلكل مجال مفاتيحه الخاصة. في الوقوف أمام الكاميرا السينمائية التي تكون قريبة جداً من التلفزيون، لكن لها طعمها المميز وتعاملها الخاص من قبل الممثل، لكن المسرح هو الأساس وإن لم يكن الممثل في المسرح فأعتقد أنه سيكون طارئاً حتى في السينما والتلفزيون.
*(الأماني الضالة) و(ذئاب الليل)، أعتقد أنهما من أفضل الأعمال، هل تنتظر نصاً يستفزك لتقديم الأفضل؟
-(الأماني الضالة) و(ذئاب الليل) و(أيام التحدي) و(رجال الظل)، هذه الأعمال شكلت مساراً مهماً في مسيرتي الفنية، مع الكثير من الأعمال الأخرى التي أخرجها مخرجون كبار، لكن يبقى لـ (الأماني الضالة) طعمه الخاص باعتباره أول مسلسل تلفزيوني أجسد فيه دور البطولة جنباً الى جنب مع أساتذتي الكبار، وهذا ما جعل له طعماً خاصاً. فعلاً أنا بانتظار نص يستفزني، عملت قبل فترة في مسلسل (طيبة)، وكان من الأعمال المميزة، وتطلب مني الدور اشتغالاً كبيراً وقمت به بمتعة كبيرة. نعم الممثل ينتظر النص الذي يستفزه ويستطيع ان يحرك أدواته كممثل.
*من الذي ابتعد عن الآخر: الفنان أم الدراما؟
-الدراما هي التي ابتعدت عن الفنان، وقلنا كلاماً كثيراً في هذا المجال، لعل العتب يوجه الى المؤسسات الحكومية اولاً. نحن أبناء تلفزيون العراق وشبكة الإعلام العراقي، وبصراحة نتمنى على قناة العراقية أن تكون سباقة في الاستحواذ على الدراما العراقية وتقديم الأفضل لجمهورينا العراقي والعربي. أتمنى ابتداء أن تفكر العراقية بإنتاج دراما تتمكن من تسويقها عربياً كما في السابق، فهناك الكثير من الأعمال التي انتشرت في الوطن العربي، وأتذكر أن مسلسل (عمر بن أبي ربيعة) الذي كان من بطولتي أنا والفنانة سهى سالم قد عرض في أكثر من بلد عربي، نحن بحاجة الى الانتشار العربي، الممثل العراقي مظلوم الى أبعد الحدود!
*تسنمت الكثير من المناصب، ما الذي يحتاجه الفن العراقي لينهض من جديد؟
-ثبت بالتجربة أننا نحتاج الى فنان يتفرغ لقيادة العملية الفنية، لأنه يعرف جميع تفاصيلها، وكما يقال فإن أهل مكة أدرى بشعابها. أقول إننا بحاجة الى قائد فنان، لكن على أن يمتلك نكراناً للذات، وأضع خطين تحت ذلك، وأن لا يستغل منصبه في إشراك من يريد في الأعمال الفنية، وأن تكون حصراً على فئة معينة. لذلك نرى أن الفنانين غالبا ما يفضلون المدير غير الفنان. بالعكس أنا مع المدير الفنان، لكن يجب أن يكون هذا الفنان قد اقتنع بأن يكرس وقته وحياته للإدراة الفنية، وهي ليس مهمة سهلة.
*يقال إن المناصب تثلم من جرف الفنان؟
-أنا نادم لأني أضعت من عمري سنوات كثيرة في مناصب هي ليست بعيدة عن الفن. لكني مؤمن بأن الفنان يجب أن يتفرغ لفنه او العكس كما أسلفت. لذلك أكلت المناصب من جرفي الكثير، وأكرر القول إني أشعر بالندم على الوقت الذي ضاع في المنصب الإداري، لأن الفنان أكبر من كل المناصب.
*الحياة مسرح كبير.. بمَ يختلف رياض الفنان عن رياض الإنسان؟
-الحياة مسرح كبير، نعم، أنا رياض الفنان غير رياض الإنسان، هناك فصل كبير، وحين أشتغل بالعمل الفني تكون هناك قطيعة كاملة مع حياتي الأخرى, وكما قلت فقد اشتغلت الكثير من الأعمال سواء الإدارية او في مجال التدريس، ووصلت الى قناعة بأنك حين تكون أستاذاً للفن ستكون غيرك كفنان، أو في حياتك الخاصة مع الأسرة او الأصدقاء او الشارع، إذ يجب أن يكون هناك فصل بين وضعك الفني ووضعك الاجتماعي. وبالمناسبة أنا أمتلك صداقات كثيرة من خارج الوسط الفني ومن جميع فئات المجتمع، تعاملي مع هؤلاء الأصدقاء يختلف عن تعاملي مع أصدقائي الفنانين.
*حياتك شريط سينمائي يمر الآن أمام عينيك.. أي اللقطات تتمنى حذفها؟
-كما قلت لك، أتمنى أن تحذف جميع المشاهد المتعلقة بالجنبة الإدارية لأنها أرهقتني كثيراً، وللأسف لم يكن هناك من يقدِّر هذه القضية، فضلاً عن أنها تخلق لك أعداء ومنافسين وبلا معنى. وهناك مشهد في حياتي الخاصة أنا حذفته قبل أن يحذفه الزمن، متمسكاً بالمثل الذي يقول (انظر الى الماضي بغضب)، بمعنى أن الماضي قد رحل وأن عليك أن تتركه يرحل.. وأكيد أن القادم أفضل.