الفنان سالم الدباغ: جيلنا قدَّم أهم مكوِّنات الثورة الثقافية

345

خضير الزيدي /

منذ زمن بعيد وسالم الدباغ، الفنان الستيني، يتميز بلونه الفني وطابعه الهندسي، قدم عشرات المعارض الفردية والمشتركة، وخاض غمار الفن وخطط للوحته أن تعتمد اللون الأسود متأثراً بجوانب روحية ونفسية.
في هذا الحوار نتكاشف عن جيله وأبعاد أعماله الفنية:
* لماذا هذا الضرب من الهندسية البنائية في عالم الفن التجريدي؟
– ذهلت لجمال الكعبة الشريفة، هذا المعمار الجميل، الذي أعدّه أجمل تشكيل هندسي في العالم. وبعيداً عن المأثور الديني جاء تعلقي واهتمامي بالأسود والأبيض منذ طفولتي، إذ كنت أفضل دائماً الأفلام بالأسود والأبيض على الأفلام الملونة، وكذلك في التصوير. تكنيك الأسود والأبيض كان بالنسبة لي هو الحقيقة، وهذا العمل المرفق سنة 1965 أكريلك على الورق وعنوانه “مناسك دينية” والثاني عنوانه “الصحراء” سنة 1965، كنت ممن يعي تماماً أن جماليات الفن تكمن في بُعدَي الدال والمدلول، وأود أن أسأل هنا عن كيفية الالتزام بمعايير ذائقة المتلقي.
إن أغلب أعمالي تتجه نحو البحث عن الجمال المخفي معتمداً على مفردات موجودة في الواقع الملموس، وهنا تجدني في نظر المتلقي متطرفاً بعض الشيء، فأنا أترك للمتلقي خيار الغور في أعماق المنجز ليجد البحث عن المدلول.
* هل يمكن للمدرسة التجريدية أن تعيد توظيف الفن التاريخي كالسومري والآشوري والبابلي بوصفه جزءاً من هوية عراقية؟
– نعم، ذلك ممكن، فالعراق بما فيه من كنوز معرفية وأصالة تاريخية عميقة الجذور، لابد أن يكون لها تأثير على روحية الفنان وبنحو خاص الفن التجريدي، هناك في بعض الحالات أعمال تجريدية من الناحية الشكلية، تركها لنا السومريون والآشوريون كالرقم الطينية والرسائل وغيرها ولكن، أتوقف قليلاً وأسال نفسي أولاً، هل الغاية من العمل الفني التوصل إلى هوية عراقية؟ العالم الآن أصبح متقارباً، صحيح هنالك مجتمعات مختلفة في العادات والتقاليد والمفاهيم والثقافة، إلا أننا نجد في النهاية أن ثمة هموماً إنسانية تربطنا ببعضنا، وبما أن الفن التشكيلي يجد نفسه أهلاً لتقديم الحلول والمعالجات، إذن لابد من أن النتاج سيكون متقارباً، أما الفن التجريدي فأنا شخصياً أجده أكثر المدارس والاتجاهات الفنية تأهيلاً للاستفادة من الوحدات والعناصر التاريخي.
* ما الذي خلّفه جيلك الفني من إرث يمكن أن يشار إليه في إعادة تاريخ الفن العراقي؟
– يعدّ جيل الستينات من القرن الماضي أحد المكونات الحقيقية والمهمة في ترسيخ وتعميق الرؤيا في الثقافة عامة والفن التشكيلي بشكل خاص، فقد تكونت جماعات فنية تدعو إلى التغيير والتطور والثورة على التقاليد الأكاديمية والمفاهيم القديمة والتأثر بالجديد والمعاصر، وكانت جماعة المجددين أولى هذه الجماعات وكنت عضواً مؤسساً فيها، إذ كان عنصر المغامرة يجمعنا وكذلك جماعة الرؤيا الجديدة، لهذا ومن وجهة نظري فإن جيلنا قدّم أهم عنصر ومكون رئيسي من مكونات الثورة الثقافية، ألا وهو عنصر المغامرة، كما فتح الطريق أمام الأجيال المستقبلية لكسر طوق الخوف من الخروج على التقاليد المتعارف عليها، خذ مثلاً استعمال مواد وخامات غريبة عن الجمهور والمشاهد في ذلك الوقت في وقت كانت الفرشاة والألوان هي الواسطة، استعمال مفردات موجودة في واقعنا أصبحت جزءاً من مكونات اللوحة.
* يبدو خطاب اللوحة التجريدية بعيداً عن ذهنية المتلقي العربي، هل هذا التصور صحيح؟
– نعم، صحيح إلى حد ما وليس دائماً، ففي بعض الأحيان كان الجمهور أو المشاهد قاسياً بالحكم في بعض الأحيان بالكلام المسيء إلى الفنان، أو بالاعتداء على العمل الفني، وبالعكس كان البعض الآخر من المتلقين والمهندسين وبعض المثقفين يتفهمون جمالية اللوحة التجريدية ويمنحونها الاهتمام الكافي، وبعض الاهتمام تطور إلى “اقتناء”، والسبب يعود إلى بداية ظهور التجريد ومفاجأة الجمهور باللوحة التجريدية، إذ عدّها البعض الآخر غريبة عن مجتمعنا بداية، وكان الجدال الصحي الذي امتد عقوداً عدة في أيهما أهم؛ الشكل أم المضمون؟ إن بداية ظهور التجريد عربياً كان في العراق والمغرب في منتصف ستينات القرن الماضي ولم يكن معروفاً في سائر بلدان العالم العربي.
* كيف تفكر بعالم الدلالة وجمالها وأنت تفترش القماشة البيضاء أمامك؟
– سأتكلم هنا عن نفسي فقط، لأن تعاملي مع اللوحة قد يختلف عن الآخرين، عند وضع القماش أمامي كنت قد رسمت اللوحة مسبقاً وأعرف جيداً ماذا أفعل ولماذا، والحقيقة والأصح تعبيراً أنني أبدأ بإفراغ اللوحة من محتواها الصناعي، وهكذا أبدأ بمعرفة ما أفعله خطوة بعد خطوة، ولكن أثناء العمل هناك ما أسميه بـ “الانفعال الآني” وقد يأخذ في بعض الأحيان مساحة مهمة من اللوحة لأنه يعبِّر عن الدواخل وعن المحيط وتأثيره في الفنان .
* من هم التجريديون الذين أسسوا خطاباً جمالياً يؤثر في الأجيال اللاحقة؟
– شاكر حسن آل سعيد بدأ التحول إلى التجريد في نهاية الستينات، ورافع الناصري في بداية السبعينات بعد رجوعه من البرتغال، تأثير هذين الفنانين بسبب أنهما كانا أستاذين في معهد الفنون الجميلة، وكان هناك فنان مهم ومتفرغ في منتصف السبعينات هو صالح الجميعي. العمل في فرع الكرافيك في معهد الفنون الجميلة كان مهماً جداً، إذ تخرج في هذا المعهد فنانون مهمون منهم الفنانة هناء مال الله ومظهر أحمد وحيان عبد الجبار وعمار داود وغيرهم.
* أنجز عنك الفنان عاصم عبد الأمير كتاباً مهماً، كيف وجدت توصلاته المعرفية؟
– الفنان الناقد عاصم عبد الأمير تناول في كتابه “غواية اللامعنى” بإيجاز شخصيتي وتفاعلي مع التجريد وانتمائي له، وقد اختار زاوية مهمة هي الزاوية الفلسفية ليحكي عن التجريد فلسفياً وتاريخياً، وقد استطاع أن يجد لي مكاناً ومساحة خاصة بي ليخرج لنا بحقيقة أن تجريديتي تنتمي لعالمي الخاص من الناحية الشكلية ومرتبطة مع الجميع من الناحية الفلسفية. إن ما قدَمَه الفنان عاصم عبد الأمير لم يكن نقداً بل تقديم فلسفي تحليلي عام .
* حدثنا عن مشاريعك الفنية الخاصة والمشتركة في المستقبل القريب؟
– من مشاريعي القريبة إقامة معرض في بيروت وآخر في عمان، وهناك مشروع مشترك في بداية العام المقبل في عمان، ونشاط مشترك في دبي قريباً، أما المشروع الأهم فهو تواصلي وعملي اليومي لإنجاز أعمال كبيرة، والعمل على إنجاز أعمال مرتبطة بالواقع الصعب الذي يمر به العراق، وسيكون تقديم هذا المعرض في بغداد وعمان.