الفن المفاهيمي واستفزاز ذهن المتلقي

53

زياد جسام /

بين حين وآخر تتغيّر مفاهيم الفن التشكيلي وتتطوّر بتطور المحيط العام، ومنها أن أغلب الفنانين التشكيليين المعاصرين في العالم أصبحوا لا يهتمون في كثير من الأحيان إلى زمنية العمل الإبداعي، ففلسفة الفنان اختلفت كثيرا عن السابق، إذ أصبح يعمل على الفن المفاهيمي أو التركيبي، مع أنَّه سريع الزوال ولم يُصنع من أجل أن يكون شكلاً جمالياً فقط.
للعمل الفني “المفاهيمي” فلسفة خاصة يصعب على عامة الناس فهمها، فيمكن القول إن هذا النوع من الفنون نخبوي ويخاطب شريحة من الناس لديهم ثقافة عالية، فالعمل المفاهيمي يُصنع من مواد يتم التقاطها من الشارع أحياناً، مواد ليست ذات قيمة، يمكن القول إنها من النفايات.. يُعيد الفنان إنتاجها بطريقة تستفز المتلقي مهما كانت ثقافته ووعيه، الا أن المتلقي المثقف حصراً ينظر إلى العمل من زاوية مختلفة تماماً، إذ يبدأ بإعادة إدراك جوهر العمل وكتابته عبر اللغة، وهنا ينتهي دور الشكل الخارجي للعمل ويكون التركيز على الفكرة.
تداخل الفنون
ينطبق هذا المفهوم على كثير من الفنون البصرية الأخرى، إذ تداخلت الفنون في مفهومها الحداثوي العام، وقد يكون الفنان منتجاً لعمل معين لأجل المتعة الذاتية وهذا واقع الفن حتماً، فكثير من الفلاسفة كانوا يقولون: الفن خُلق من أجل الفن، وهو فعل ذاتي لا يمكن أن يكون ربحياً.
كثير من النقاد قالوا إن ما يُنتج حولنا من أعمال إبداعية تنضوي تحت مسمّى الفن التركيبي أو المفاهيمي ليست سوى ثورة فنية جديدة، وهي على ما يبدو اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة وغيّرت كثيراً من السياقات السائدة، حيث العمل الفني أحيانا لا يشتمل على قيمة شكلية بقدر ما تتكثف فيه الفكرة، وهنا تحوّل الفنان من صانع العمل إلى صاحب الفكرة، وعليه فقد تغيّرت حتى آليات عرض الأعمال، ومعها تحوّلت من جدران قاعات العرض إلى أرضياتها أو سقوفها.. كل هذه النقلات شكّلت ثورة الفن المعاصر التي باتت تفاجئ المتلقي يومياً.
كثير من الفنانين في العالم يعملون على أساس هذه الفلسفة، فقد نجد رساماً اتقن فن الرسم الكلاسيكي على نحو ممتاز، الا أنَّه يبقى يفكر ويحاول أن يجد تقنيات حديثة تجعل من أعماله محط أنظار النقاد والمهتمين، وذلك لا يتحقق الا اذا تلاعب بالخامات التي يشتغل بها، فكثير من الفنانين استخدموا خامات للرسم تعدّ جديدة وتسجل هذه الخامات بأسماء مستخدميها الأوائل، فمنهم من اشتغل أعماله بمسامير، أو قد يكون رسم لوحاته بحرق الخشب، أو رسمها بالرمل، إلى آخره..
نتاجات حديثة
وما يجعل الفنان يستمتع بهذه النتاجات الحديثة هو أنَّها أعمال حرّة في الحجم واختيار الموضوع، فكل ما يحتاجه الفنان هو الوعي التقني، ومن المعروف أيضاً أن الفن الحديث هو تمرُّد على الواقع وهو معنى يراود مخيلة الفنان واستفادته الكبيرة من العالم الذي يحيط به وما يحتويه من أشكال وصور وأصوات ورموز، كما أنَّ هناك مقومات عديدة تنهض عليها الفنون الحديثة، منها إيلاء إهمية كبيرة للفكرة أو المعنى، أو الاعتماد على تهميش الأسلوب وإشراك المتلقي في بناء المعنى وتأسيس النموذج الفني، وهذا يحتاج إلى الانفتاح على المحيط من المجتمع والواقع الثقافي الذي يعيش فيه الفنان، فضلاً عن توظيف الوسائط الجديدة كالتكنولوجيا في إنجاز العمل الفني والاشتغال على المنظور الثقافي للفنان.
والفنان الذي يريد لأعماله أن تظهر فعلاً، فيجب عليه أن يكون مواكباً لتطورات عصره وجعل موهبته الفنية والممارسة الإبداعية التي ينتجها تصب في خدمة الإنسانية في لحظة معينة.
وقد يتغيّر مفهوم الفن من مجرد الموهبة أو التجربة إلى المعرفة والخبرة بالآليات والوسائط والبرامج التكنولوجية ووسائل التصوير، لأن الفن خرج عن المألوف والسائد، واعتمد إضافة التقانات التي جاءت مع الفنون الحديثة، وأصبح الاشتغال على أعمال فنية مستقلة، متحررة من أي سلطة محكومة بالجمالية التقليدية.
رسائل جديدة
الأمثلة على ما ذكرناه كثيرة جداً، إذ حمل الفنانون التشكيليون المعاصرون الذين اشتغلوا على الفن المفاهيمي رسائل مفادها أن الفن التشكيلي أصبح فوق كل التصورات، ومنهم الفنانة الالمانية “ريجين رامسير Regine Ramseier”.. فقد عرضت هذه الفنانة أعمالها في سقوف قاعات العرض، وهي عبارة عن زهرة الهندباء الشهيرة، والمعروف عن هذه الزهرة أنَّها ذات شعيرات رقيقة جداً تتطاير مع أقل هبة هواء لتصبح بعدها مجرد ساق عادية.. استغلت الفنانة الالمانية هذه الزهرة في إنتاج أعمالها ووضعت آلافاً منها غطت السقوف، فقد وصفت هذه المبدعة زهرة الهندباء البيضاء، بأنها موحية بالنقاء والصفاء، ومبدّدة لغمام الهموم المثقلة على نفوس من يحملها أو يراها في لحظات تأمل، وكأنَّها تنقله إلى عالم آخر فتبث فيه روح البهجة والفرح ولو ثوانيَ معدودات. علماً أنَّها في هذا المعرض تعاملت مع الزهور بطريقة كيميائية لتمدّ في عمر زهرات الهندباء، ولكي تبعث التساؤل في من يشاهدها، كيف استطاعت هذه الفنانة أن تجلب كل هذا المقدار من الزهور القابلة للتلف بسرعة إلى قاعات العرض وتعلّقها من غير أن تتلف.