الفوتوغرافي نبيل الشاوي.. يصوِّر بالشعر ويكتب بالفوتوغراف

146

كريم كلش /

كثيراً ما يقف الفنان الفوتوغرافي نبيل الشاوي امام اللقطة التي يروم تنفيذها فوتوغرافياً، يتعذب حد الوجع. وكثيراً ما يعدل عن تنفيذ الرغبة الفوتوغرافية الكامنة في أعماقه لأن اللقطة لم تكن كما كان يريدها، أو كما تخيّل رسمها، إذ لا تدري من الذي أثر في الآخر, الشعر أم الفوتوغراف، وحسماً للتساؤل اقول: إنه يصور بالشعر ويكتب بالفوتوغراف، الا أن نبيل الشاوي استطاع أن يوازي ما بين عناصرها بشكل استفز الاخرين، فحدقوا في اعماله طويلاً.
ما يميزه أنه يجمع بين الكلمة والصورة برومانسية وذائقة فريدة, مع الموسيقى العالمية ينجز عمله غرفة الطبع (الديك روم). جريدة الجمهورية كانت موطنه الفني الاول وبالتحديد عام 1979 – وهي المؤسسة الصحفية التي ضمت بين اروقتها نخبة طيبة من فناني الفوتوغراف المتميزين، لكنه ظل وفياً لموطن فنه الاول.
سكن الفنان نبيل الشاوي هاجس العودة إلى الماضي, ماضي الانسان والمكان والاشياء الاخرى، إذ ظل يتعايش بكاميرته مع الازقة البغدادية ونوافذ الشناشيل، وإذ لم يرضِ ذلك طموحه، راح يغوص في قاع المدينة القديمة من بغداد ليقدم لنا صوراً للناس المسحوقين والبيوت الغارقة في احزانها والمتلبسة بحال البؤس الدائم. عين الفنان الثالثة، وهي تتجه إلى هذا المسار، لم تنظر إلى الخلف بغضب, بل كانت تقدم سيمفونيتها على ايقاع الوفاء القديم، لكي يديم صلته بالاخرين عبر اللقطات المنفذة بإحساس مرهف، هكذا هو الفنان نبيل الشاوي الذي ركبه جنون البحث عمّا يشفي غليل تطلعه إلى صورة تشير إليه وإلى أسلوبه.
نبض الحياة
عن بداياته في عالم الفوتوغراف تحدث الشاوي قائلاً:
مذ كان عمري عشر سنوات تعلقت بالكاميرا، كنت اعدها الالة الغريبة السحرية التي تنقل ذكرياتنا وصورنا، وفي عام 1978 حملت الكاميرا اول مرة منبهراً بذلك الصندوق الذي يخرج منه الفيلم محملاً بكل الذكريات، التي تتحول إلى صور تنبض بالحياة, كنت ابعثر احشاء الكاميرا بعد أن افتح اجزاءها عنوة علّي اهتدي إلى السر الازلي الذي يشغّل هذه الالة العجيبة، وكنت اعبئها بالفيلم تلو الآخر في ايام الاعياد والمناسبات حين تصدح الدراهم في جيبي لأن شراء الفيلم وتحميضه وطبعه كانت تكلف كثيراً أيامذاك.
المعلم الأول
وتمر الايام ومازال الشاوي يذكر تفاصيلها مستدركاً:
لم أنقطع عن مزاولة هواية التصوير وتفكيك الكاميرا أبداً، في عام 1978 نصحني بعض الاصدقاء أن اتعلم مبادئ التصوير فدلوني على الجمعية العراقية للتصوير وكان مقرها انذاك في منطقة السنك، وهناك تعرفت إلى معلمي الاول الأستاذ القدير صباح الجماسي، ومنه تعلمت مبادئ التصوير وتعلمت احترام الكاميرا، كان نعم الصديق والمعلم.
كنت متحمساً لتعلم هذه الهواية التي رافقتني سنيّ عمري، وانغمست في دروس الفوتوغراف وكنت كثير المطالعة والسوال عن كل ما يخص التصوير، حولت غرفة نومي إلى مختبر لطبع الصور، وهكذا بدات رحلة جادة وحقيقية في حياتي مع الفوتوغراف. لم يكن سهلاً علي ولوج عالم التصوير الصحفي، وعندما عُينت في جريدة الجمهورية اواخر عام 1979، كان هناك كبار المصورين الصحفيين والفنانين الفوتوغرافيين الراحلين امثال المرحوم جاسم الزبيدي والفنان المرحوم فواد شاكر والفنان المرحوم سامي النصراوي والفنان المرحوم رحيم حسن والمرحوم نزار السامرائي.
بين الظل والضوء
يرى الشاوي أن الحياة تحفل بالتضاد، فهناك الخير يقارعه الشر، والحب يقف في طريقه العذاب والفراق، والورود تدمي الاصابع باشواكها. فلو نظرنا الى مشهد ما في وضح النهار لما وجدنا عليه تلك الالوان الجميلة، بل نرى لوحة تغمرها اشعة الشمس الساطعة، وفي الجانب الاخر الظل الذي قد يغطي مساحة كبيرة من المشهد!. فن التصوير هو الاسود والابيض، واذا اردت ان تمتحن مصوراً فوتوغرافياً فاطلب منه أن يصور بالاسود والابيض كي تقيس مقدرته الابداعية وقدرته على تكوين لقطة ذات مواصفات فنية تشد المتلقي اليها.
وهكذا نجد أن الحياة ملونة، الا انها قاسية، وحين نوشرها بالظل والضوء في مشهد درامي فوتوغرافي ستظهر لنا توحدها الجمالي الفني المطلق. اتهمت بأني استنسخ أعمال الفنان فؤاد شاكر، ولو اتهمت بتأثري بالراحل جاسم الزبيدي لكان القول أصدق، لان الراحل الزبيدي كان له الفضل الكبير على مسيرتي الفوتوغرافية، اذ كان يعلمني ويرشدني ويتتبع هفواتي الفوتوغرافية واحياناً كان يقسو علي بنصائحه ويمزق أعمالي التي لا ترضيه، كما أني تعلمت على يديه باعتزاز فن تصوير البورتريه، هذا الفن المستقل بذاته.
تطور الفوتوغراف
عن تطور التصوير الفوتوغرافي وولوجه عالم الديجتال.. كان للشاوي رأي آخر إذ قال:
أعتقد أن الكاميرا الدجيتال قد أساءت إلى الفوتوغراف والفوتوغرافيين من هذا الجيل، ذلك لسهولة الحصول على اللقطة دون العناء في تكوين المشهد، او قياس جمالية مساقط الظل والضوء. ثم أن التفكير بات ضحلاً في الابداع الفني، من حيث أسر اللحظة والزمن في زاوية تاخذ المتلقي معها في حوار يبدا ولا ينتهي. كل هذه المقاييس الفنية الابداعية ماتت، وصار كل من يحمل كاميرا رقمية يعتقد أنه غدا فناناً، او كل من صور بكاميرا هاتفه المحمول يتصور أنه سيشق طريقه في صفوف الفوتوغرافيين. لذا اقول إن الفن لا يتطور بالالة، بل بالابداع والخيال الخصب والتجارب وديمومة التواصل والبحث عن المعلومة. بعض المصورين يعتزون بانانيتهم، بل ويجاهرون بها، ويغلقون الابواب والشبابيك على معلوماتهم الثقافية الفنية الفوتوغرافية، أنا شخصيا ضد هذا المبدا، كما أني لا اتحدث عن نفسي ابداً بل اترك للزملاء الإقرار بذلك.
عفوية وتأثير
يعتقد الشاوي أن التصوير هو عمل إنساني شأنه شأن الشعر والرسم والموسيقى ويجب أن يكون هناك تخطيط لكل شيء، يقول:
هناك بعض اللقطات العفوية، او بنت لحظتها، التي فازت بجوائز عالمية، لكن ايضاً هنالك ملايين اللقطات التي صورت بدون تخطيط مسبق وبنفس العفوية، الا انها نامت في أدراج النسيان، فاللقطات الخالدة والموثرة التي تسترعي انتباه المتلقي هي اللقطات التي يخطط لها مسبقاً كما يخطط الفنان على قطعة القماش لرسم لوحته وكما يخطط المهندس لبناء صرح من الصروح، فالاعمال الفنية الفوتوغرافية من الصعب أن تشد المتلقي او أن يكون مشهدها موثراً من دون التخطيط لزاوية التقاطه والتخطيط لبناء تكوينه، فالعمل الفني الفوتوغرافي عمل مضنٍ وابداع إنساني شأن الفنون الأخرى كالنحت والرسم والشعر، وعلى ذكر الشعر فإن هناك من يقول إني لم أحترف التصوير، وما زلت تائهاً بين التصوير والشعر. يقال في اللغة إن كلمة شعر جاءت من كلمة (شير) وتعني باللغة العربية الموسيقى والغناء، والشعر ضرب من التصوير وعملية بناء موسيقي ولغة جميلة تأسر الالباب والنفوس، كذلك التصوير فإنه بناء وتكوين، ووحدة موضوع مترابط.
سيرة ذاتية
ولد نبيل الشاوي في بغداد عام 1955 وعمل مصوراً صحفياً في جريدة الجمهورية اواخر عام 1979. من اوائل المراسلين الحربيين. صوّر وكتب عن الحرب الامريكية على العراق عام 1991. نشرت أعماله الفوتوغرافية في عدد من الدول العربية والعالمية.
شارك بالمعارض الفوتوغرافية العراقية والعالمية منها وحصد كثيراً من الجوائز والعشرات من الجوائز التقديرية والميداليات.
حائز على دبلوم تصوير, وعمل استاذاً محاضرا للتصوير الفوتوغرافي في الجمعية العراقية للتصوير, عمل في جريدة المراة وفي مجلة ألف باء وفي جريدة بغداد أوبزرفر وفي جريدة المصور العربي وفي جريدة العراق الفرنسية.
أصدر مجموعته الشعرية (اعتراف خاص جداً)عام 1997، ومجموعته الثانية في مصر، ولديه ثلاث مخطوطات شعرية, عمل رئيس قسم التصوير الصحفي في جريدة الجمهورية, كتب في جريدة الراية القطرية, وكتب في مجلة الزاوية السعودية. وكتب نقداً فوتوغرافياً لمجلة الوان, نشر في جريدة الزمان والفنون العراقية وجريدة القلعة الأسبوعية, عضو نقابة الصحفيين العراقيين, عضو اتحاد الادباء, عضو اتحاد الصحفيين العرب, عضو الجمعية العراقية للتصوير.