المخرج السوري سامي جنادي لـ”الشبكة”: تجربتي مع الدراما العراقية غنية وقدمت لي أشياء كثيرة

804

كنان ابراهيم/

بدأ من عالم كتابة السيناريو.. لكن سرعان ما اغرته الكاميرا فذهب الى الإخراج، فبعد تخرجه في المعهد العالي للفنون المسرحية،
بدأ العمل مع المخرج الكبير هشام شربتجي كمخرج مساعد في عمل من تأليفه (رسائل أبو سعيد) ثم تتالت الأعمال التي جمعته مع فنانين ومخرجين كبار مثل المخرج حاتم علي في (مرايا 98) وفي السنوات الأخيرة تعاون مع النجم أيمن زيدان في (رصيف الذاكرة ورجل الانقلابات).
وخلال مسيرته الفنية أخرج عدداً من المسلسلات من انتاجات عربية ( سعودية- ليبيا – الجزائر – وكانت له تجربة متميزة تتعلق بالدراما العراقية، إذ اخرج مسلسل (الشيخة) الذي أثار جدلاً واسعاً وهو عمل سوري – عراقي كما أخرج مسلسل (أبو طُبر) وهو عمل عراقي بحت إضافة الى مسلسل (حفيظ) وهو آخر الأعمال. عن هذه المسيرة الفنية الابداعية التقت “الشبكة العراقية” المخرج السوري المتميز سامي جنادي في هذا الحوار:
¶بدأت كاتب سيناريو وقدمت أعمالا تعد متقدمة في الدراما السورية..لماذا انتقلت الى الإخراج، مع أن كتابة السيناريو مريحة قياسا بالإخراج؟
-صحيح أنها عملية إبداعية مستقلة ويتم الاشتغال عليها وبها بمفردك وبمعزل عن الآخرين، إلا أنها لاتعود كذلك حين تدخل معترك التنفيذ. بمعنى أن نصك سيغدو مفردة من مفردات العمل ككل؛ حتى وأن كانت المفردة الأساس والمكون الرئيس للعمل الدرامي أيا كان جنسه (مسرح؛ سينما، تلفزيون) إلا أنها في المحصلة النهائية مفردة في جملة فنية يكتبها رجل آخر؛ أو يعيد صياغتها رجل آخر اسمه المخرج. بهذا المعنى أنا لم ادع الكتابة وامتهنت عملا غيرها. انما وسعت أدوات كتابتي ليغدو النص الأدبي واحدا من مفردات العمل الذي أقوم به.
¶ماهي حدود أوصلاحيات تدخل المخرج بالنص الدرامي (أي السيناريو)..وهل واجهت مشكلات مع كتاب معينين في هذا الشأن؟
-الحدود والصلاحيات التي يحددها ويفرضها؛ هو وعيك وطريقة فهمك لنفسك أولا وللمحيط الذي يليك. عندما تكون عارفا ماتريد وممتلكا للأدوات التي ستحقق لك هذا الوعي وتجعله واقعا ملموسا. حينها يغدو كل شيء سهلا ومريحا. أنت انطلقت من النص وأنا مؤمن تماما .أنه المنطلق الأساس لأي عملية فنية وبصلاحه يصلح كل شيء؛ من هنا يأتي حرصي دائما أن يكون النص أرضا صالحة للبناء. وإلا تكون كمن يقيم عمارة فوق رمال زلقة او متحركة لهذا أسمح لنفسي بالتدخل دائما. والحوار الدائم والمستمر مع كاتب العمل هو السبيل وغالبا – او إن شئت- دائما، لهذا اسمح لنفسي بالتدخل في النص. وتبقى هنا الآلية؛ آلية التدخل.
¶عملت في الدراما الجزائرية والليبية والدراما الخليجية والعراقية والسورية.. كيف تقيم هذه التجربة المتنوعة وأين حققت رؤيتك الإبداعية؟
-أريد أن أضيف بلدا آخر أنت اغفلته وهو الدراما الأردنية. والاضافة ليس مردها؛ الرغبة في توسيع الدائرة الجغرافية التي عملت في فضاءاتها. وانما لامر متعلق بي وبذاكرتي والذي يشبه الى حد ما الحب الأول. ولان السؤال كبير وكثيرة جوانبه. تأتي صعوبة تلخيصه بجمل مكثفة إلا أنني سأحاول ما استطعت. أن تعمل هذا الكم من الاعمال الدرامية في فضاء محدد ومحدود بالتأكيد هي تجارب غنية تضيف وتضفي عليك الكثير. فكيف اذا كانت موزعة على رقعة شاسعة من الكون. فالاضافة تتوسع بسعة المكان وتنوع الانسان. فالمعارف اغتنت أكثر وتأثرت ولا شك بالأناس الذين التقيتهم وبالاماكن التي وطأتها. ولاأدري الى أي حد تركت أثري فيهم. لهم أن يقولوا ذلك. هذا على المستوى الاجتماعي والانساني. أما على الصعيد المهني البحت أحس بأني مطالب بعد رحيل زهرة العمر لان انظر في الشجر الذي زرعت فاراه مشتتا في بلاد بعيدة شجرة هنا وشجرة هناك وأخرى ابعد عما تليها، فاقول أحيانا لنفسي؛ لو أني جمعت شجيراتي في أرض واحدة اما كانت لتبدو وكأنها غابة صغيرة؟ وأحيانا أقول ولا أقول. تسألني أين حققت رؤيتك الابداعية. تحقيق الرؤية ياصديقي. هي عملية بحث مستمرة لاتنتهي أبدا. وإن شئت الدقة لا تستطيع تحقيقها. وان اعتقدت للحظة، واصابتك لوثة الغرور، بانك وصلت تكون كمن يترجل ليطعم حصانه وسط معركة حامية الوطيس.
¶هل واجهت صعوبات بسبب اللهجات المختلفة لفناني هذه البلدان العربية الذين عملت معهم؟
-ما بعرف كيف ومن وين ابدأ بالاجابة. طيب، من المكان الصعب. المغرب يفترض هي اللهجة الأصعب على أبناء المشرق العربي. لن تصدق أن قلت لك أنه وبعد الاسبوع الأول من تواجدي هناك. كنا نذهب أحيانا للمقهى برفقة بعض الفنانين هناك وخلال جلوسنا يأتي أناس لينظموا الينا ويذهب أناس. وحين تأتي لحظة التعريف على أني من سوريا لم يكن بعضهم ليصدق ويستغرب باستنكار شديد. ومرد ذلك اني اتكلم لهجتهم تماما. بالتنغيمات الصوتية عينها التي تخص كل حرف ولا اعتبرها ميزة. ومردها بسيط جدا سوريا مثلا. هي ليست باب الحارة. ليست لهجة أهل دمشق او حي من أحياء دمشق.
¶تعاملت مع كتاب سيناريو عراقيين منهم حامد المالكي وضياء سالم.. كيف كانت التجربة وهل وجدت صعوبة مع اللهجة العراقية؟
-تجربتي مع الدراما العراقية. لاشك بانها تجربة غنية وقدمت لي أشياء كثيرة على المستوى الانساني تعرفت على عدد كبير من الناس الطيبين والفنانين الكبار، واتمنى أن أكون قد اسهمت بالمقدار الذي آمل أو اطمح اليه. وهذا لست أنا من يقرره. سأعود معك لبدايات التجربة. لا أخفيك اني جئت متوجسا ينتابني الكثير من القلق والحذر. ومرد ذلك أن الانطباع السائد عن الدراما العراقية آنذاك أنها من الدراما ذات الانتاج الضعيف. عندما قرأت النص واقصد (الشيخة). اعجبني جدا، محتواه يتطرق لمرحلة مهمة جدا وخاصة جدا الا وهي مرحلة انهيار الطبقة الاقطاعية وبداية تشكل البرجوازية الوطنية ومعها كانت تتشكل بدايات لحكومات وطنية مدنية وكادت أن تبدأ في المنطقة خطوات جادة وحقيقية باتجاه بناء الدولة المدنية ودولة المؤسسات. الى ان استفاق العسكر ودخلو المعترك السياسي بقوة الدبابة. فتعسكرت البلاد بقوى العسكر وتأممت المؤسسات بقوى الامن، لتتحول بعدها شعوب المنطقة وبطريقة ممنهجة الى مجرد أفراد يحمل كل منهم صليبه بين كتفيه. هكذا قرأت النص الأول. ادهشنا الغنى والعمق الموجودان في بنية النص. وبدأت اتعرف على الاناس الذين سيشاركونني التجربة فكان أن وجدت عالما كاملا يتفجر بالطاقة والحيوية وامكانيات بشرية هائلة تغلي برغبة العمل.
(الشيخة وابو طبر) صورا في دمشق. وكان معظم الفنانين العراقيين يقيمون فيها لأسباب يعرفها الجميع لا داعي لذكر أسبابها وتفاصيلها. ولا أخفي اعجابي بالامكانيات الهائلة التي تعتمل بدواخلهم. هي طاقات تغلي كان علي التخفيف من غلوائها في الكثير من الأحيان. وأن كان يحق لي القول. فالكثير منهم يستطيع الوقوف الى جانب اي فنان من فنانين العالم على قدم المساواة. وهذا التوصيف لا يطال الفنانين فقط. حتى لا نغمط بعض أصحاب الحقوق حقهم. فهناك الكتاب الذين ذكرت وغيرهم أيضا ممن لم اتمكن من التعاون معهم. ميزتهم وأكاد أعمم هم كتاب مهمومون بالمعنى الدقيق والعميق للكلمة.
¶كنت أول من عمل في منطقة الأهوار جنوب العراق ماذا احسست وأنت ترى هذه المنطقة لأول مرة بطبيعتها وبيئتها وجغرافيتها الفريدة؟
-الأهوار والجنوب والنبيل (نبيل طاهر). بداية دعني اشكرك انك منحتني فرصة الاجابة على بعض التساؤلات التي وصلتني من بعض الأصدقاء. والتي تحمل بعض اللوم بأني لم اترك العنان للكاميرا لترصد سحر الجنوب والاهوار تحديدا. وأقول بداية كان هذا اللوم محقا لو أنني اتصدى لعمل وثائقي عن المنطقة. لا أخفيك كنت أقاوم وبقوة لعنة الجميل في المنطقة والسحر الذي يتبدى اينما وليت وجه الكاميرا، فلو انصعت للرغبة الاولى وذهبت وراء الجميل اكون حينها قد اغتلت الجمالي في طيات وجوانب العمل. اي المسعى والهدف. تخيل معي انك ترصد معاناة وهموما لا تنتهي في اعماق شخصياتك وانت تضعها بحيز مكاني ساحر، الجميل سهل صنعه اما الجمالي فيحتاج لجهد مضاعف ووعي اكيد. واذكر حينها انه سألني احدهم كيف لغريب ان يعمل في بيئة لا يعرفها. المهم ياصديقي ان تعرف نصك. عمق روايتك البنية العمية لشخصياتك. ان وعيت هذا تعي ماتلاه ان كنت صانعا للدراما وليس مصورا للمكان. فالمكان هو الفضاء الدرامي الذي تتحرك فيه الشخوص بحدود مرسومة وبعلوم معلومة.
¶كيف ترى واقع الدراما السورية في ظل هذه الظروف العصيبة على البلد؟
-واقع الدراما السورية هو واقعنا عينه الذي نعيش. مازلنا نسجل في دفاتر الحياة باننا مازلنا. لم نغادر بعد ولا نحب ذلك. جماليات الفن انه يباغتك كسؤال محموم بحمى الاجابة. هو يسأل والجميل فيه بانه لايجيب. ليست من مهامه، وان كان يعي الاجابة والاقدس الا يعيها. اروع مافي الدراما في سوريا انها مازالت تسعى لان تقول وسط ليل اعمى وقاس الا أن في بعضها مايشبه الضوء ونحن بحاجته كحاجة الرغيف.
¶عملت مع كبار الفنانين السوريين والعرب.. هل هناك من تتمنى العمل معه مرة أخرى.. من السوريين مثلا؟ ومن العراقيين أيضا؟
-هم كثر والحمدلله. لم يحدث ان خرجت من تجربة وهناك اثر من عتب او زعل وتحديدا مع الفنانين أو الفنيين. ولا اذكر على الاطلاق اي موقف حاد او مايشبه الخلاف بيني وبين احد. الحوار دائما هو الاساس والحجة بالحجة وصاحب الرأي الصائب يقنع صاحبه. هذا مبدأي ومبتغاي واحرص كل الحرص ان يكون الرضى والارتياح هما الجو المسيطر في المكان. ايمانا مني باننا نصنع ارواحا جديدة نسعى لان تكون جميلة فالجميل يحتاج لفضاء جميل. أعلم بانك تريد أسماء بعينها. ان اردتها باصرار اعلمني سأزودك بها وان كنت اخشى العتب ممن قد انسى اسمه.