المخرج المسرحي غانم حميد: الفن بدون رسالة سامية لا يعدُّ فناً

208

محسن إبراهيم /

في مسرحية (الذي ظل في هذيانه يقظاً)، صرخ الفنان الكبير سامي عبد الحميد قائلا له: “أنت سحقت الأولين والآخرين”، فيما قال له المخرج المسرحي صلاح القصب: “أنت أفضل مني، لأن أعمالك التجريبية يفهمها العامة، ويتفاعلون معها.”
غانم حميد.. الذي لا يكتفي بما مكتوب في النص، فيسبر أغواره ويبحث عن مكنونات تذهل المؤلف أحياناً, فهو يحلق على أجنحة المسرح في عوالم خاصة ابتكرها لنفسه. مؤلف ومخرج مسرحي ذو رؤية خاصة، تمكن من صهر هذه الثنائية في بوتقة الإبداع. غانم حميد كان ضيفاً على مجلة “الشبكة العراقية”.
*كيف عرف المسرح طريقه إليك؟
-منذ نعومة الأفكار وأنا أحسب أني متمرد على الخط الذي دار دورته علي في بيت يحكمه الأب والتقاليد وأصوات العبادات والأذان الحاضر على الدوام في الأزقة والبيوت وبين طرفي آذاننا.. مذكراً ومحذراً مع أوامر السيد حميد السيد كريم الشديدة.. أبي.
“إن كنت تريد البقاء أو الأكل لتبقى فـ.. فـ أطع واعمل..” هذا قول أبي لي، لابأس بالطاعة والصلاة والخروج الى العمل.. أي عمل.. لكن أن تفضل ذلك على دراسة العلم (المدرسة) فذلك صعب ومرفوض، مني ومن إخوتي الذين لم تسمح لهم الأوامر بإكمال الدراسة.. إذن كيف ذلك إذا ما أضيف الفن إلى هذه الظروف؟ وفن المسرح بالذات في مدينة مغلقه هي النجف الأشرف، ومنطقة تطوقها الجوامع هي (الجديدة الأولى) أو منطقة (خان المخضر). في هذا الواقع الذي أنا فيه جاء المسرح قوياً، خارقاً لكل الحدود وكل الأوامر وأنا صبي تعدادي الأصغر بين إخوتي .
أنماط مسرحية
*تجربة تمتلك رؤية إخراجية خاصة.. قراءة سريعة في الإنجاز؟
-في منجزي الفني اعتمد مسارات جلّها مسرحي، من خلال شغل أنماط من المسرح التجريبي المؤثر، وأنماط أخرى تحاكت تماماً مع التلقي الشعبي من خلال الاشتغال على المسرحية الشعبية وفنون الغناء والرقص فيها، والتقرب الى المسرحين الاستعراضي والغنائي، وأيضاً هذا تخصص شبه نادر في إدارة الاحتفالات الكبيرة التي قد يصل عدد العاملين فيها الى ٥٠٠٠ مشارك، وحصل ذلك من خلال قيادتي لاحتفالات يوم بغداد لمواسم عدة في الملاعب والساحات، أو من خلال سيناريو وإخراج مهرجان بابل الدولي في افتتاحياته وختاماته عن طريق توظيف الأسطورة وشخوصها بما يتناسب وطبيعة الختام أو الافتتاح البابليين. أما على مستوى المنجز الفردي، فأنا ممثل مسرحي وممثل تلفزيوني، لدي العديد من الشخصيات الناجحة التي أديتها، ومازال أثرها في الشارع برغم مرور أكثر من عشرين سنة على إنجازها.. ناهيك عن تفردي في الإدارة الفنية الرسمية لبعض المحطات الفضائية وتأسيس بعضها، والى إدارة الفرقة الوطنية للتمثيل، وابتكار وإدارة بعض المهرجانات المهمة وأيضاً إدارة مسارح البلد .كذلك فإني أمتلك رصيداً محترماً من الجوائز الكبيرة في المسرح والتلفاز ومشاركات دولية عدة، إضافة الى كوني محركاً محترفاً للدمى القفازية، ولي في ذلك مسلسلان وأربعة أفلام روائية .
*ثنائية الهواية والاحتراف.. كيف تنظر اليها؟
-أعتقد أن هذه الثنائية تعتمد على امتلاك المخرج والكاتب لأدواتهما الفنية، والموهبة، وقدرتهما على صهر هذه الثنائية في بوتقة الإبداع، فالهواية جنس من أجناس الاستمرار والتفوق، مع كثير من الاحتراف المتطور الباحث والمتمرن دوماً على الجديد في فهم الأدوات وآلياتها وحسن توظيفها واستخدامها بما يفضي الى نتائج حيه قويه تشكل أسلوباً مختلفاً.
*بعيداً عن التمثيل والتأليف.. ما الذي يغريك في تجربة الإخراج؟
-الإخراج خلق وابتكار وإدارة، وفسحة لبناء وجود كوني أتميز فيه وبه.. إنه عملية إبداعية تقترب من روح الخالق وإبداعه في صناعة الكون، وكما يقول نيتشة “المبدع واسطه بين الإله والناس.”
*مسرح جاد ذو رسالة، وآخر يكرس الجهل.. كيف لنا أن ننهي هذا التقاطع؟
-الفن بدون رسالة سامية، إنسانية كانت أم تربوية، لا يعد فناً, ومسرح بلا جدل ثرثرة بلا حياة. المسرح هو عبارة عن فكرة عظيمة, في كل تجاربي كان هناك نوع من المشاكسة، إن كانت في زمن النظام السابق، وحتى في هذا الزمن, لابد للمسرح من أن يكون ذا رسالة, أما تكريس الجهل في المسرح، فلابد له من وجود رقابة تمتلك القدرة والسلطة وسلطة أخلاقية يهمها الإنسان وبناءه مثلما أراد رب العباد والمنطق والشرف الاجتماعي .
*أنت لا تكتفي بما يكتب في النص، بل ترسل من خلاله رسائل مبطنة.. هل يتعارض هذا مع البنية الأساسية للنص؟
-أبداً.. النص محطة انطلاق، وإن حصل خلاف بين صاحب الورق (المؤلف) والعبقري (المخرج)، الذي يحيل بضع كلمات وأفكار الى حياة حية مؤثره فاعلة، فعلى الأول (المؤلف) الانسحاب فوراً، وفي أول تمارين المشاكسة.
*هل هذا ما حصل في مسرحيتي (الذي ظل في هذيانه يقظاً) وThe Home؟
-ما حصل في The Home مختلف بعض الشيء، كان المؤلف مبتهجاً فرحاً بكل ما حصل، وهو الذي شاهد كل شيء على مدى أكثر من سنتين من التمارين، لكنه اختلف فور اختلاف لجنة الحكام وبعض قدرات التلقي الضعيف غير النزيه، لذلك مسحنا اسمه من خارطة البرنامج بعد أن تخلى عنا صبيحة اليوم الثاني بعد العرض، ولن نتعامل معه مطلقاً وأبداً في المستقبل .
*ثنائية الفشل والنجاح.. ما مساحتها لدى غانم حميد؟
-أنا مختلف نوعاً ما عن تجارب زملائي وأصدقائي، أجرب بيني وبين نفسي، ولا أظهر التجربة إلا بعد أن تكتمل، لذلك دائماً ما أصرح بأني لم أمتلك عملاً مسرحياً متواضعاً في حياتي, وحتى في الأماكن الإدارية التي أشرفت عليها، دائماً ما تجد التفوق, قد أفشل بيني وبين نفسي في التمرين, بمعنى أني لا أقدم عملاً مسرحياً مهماً إلا بعد مران مع نفسي ودراسة الى أن تظهر التجربة، لذلك أنا لست مع الذي يفشل علناً.
*من خلال تلك التجربة.. أسألك ما الذي يحتاجه واقعنا الفني لانتشاله من واقعه؟
-سلطه فنيه لها سوط, سلطة دكتاتورية وثقافة مجتمعية مدروسة .