المخرج بشير الماجد يجسد عذابات سجينات البعث في فيلم سينمائي شميران مروكل رحلة طويلة تحت سياط الجلّادين

488

رجاء الشجيري/

بينما كان المخرج بشير الماجد يتهيأ لعرض أول أفلامه الوثائقية عن سجينات البعث في احتفائية يوم السجين السياسي التي أقيمت في نصب الشهيد، وبحضور عدد من المسؤولين وأهالي السجناء السياسيين لتكريمهم والاحتفاء بيومهم،كانت السجينة السياسية “شميران مروكل أوديشو” تتخذ مكانها في قاعة العرض لتستعيد قصة اعتقالها وزجّها في سجون النظام البائد، لكن هذه المرة على شاشة السينما.

فكرة الفيلم

يقول المخرج بشير الماجد إن الفيلم أُخذ من القصص المنشورة في كتاب ( حواء خلف القضبان) للكاتبة والسجينة السياسية “أحلام رهك” حيث يحتوي قصصاً ومقابلات مع أربعين سجينة سياسية من مختلف الطوائف والانتماءات السياسية إبان الحكم البائد.

وقد تم اختيار شخصيتين من السجينات ومن اتجاهين مختلفين لتجسيد قصة اعتقالهما، فكانت السجينة السياسية “شميران مروكل اوديشو” أول أعمالي في هذه السلسلة المهمة بإخراج فيلم وثائقي عنها: “نساء بمعنى الرجولة”، وهو أول فيلم وثائقي عن السجينات لي وهدفي إكمال وتجسيد حال الـ40 سجينة سياسية الأخريات.

هذه الشخصية التي قضت أكثر من 30 سنة من عمرها بين الاعتقالات والمطاردة ولم يثنها ذلك من تحقيق طموحها وإصرارها على تحقيق أهدافها والنجاح والحصول على أكثر من شهادة جامعية..

آلية التنفيذ

يضيف الماجد: تمت كتابة السيناريو وقصة الفيلم كاملة وعرض على مؤسسة السجناء السياسيين وتم الفصل بتبني إنتاجه ورعايته، أما من حيث التقنية التي صور فيها الفيلم فهو قد صور بكاميرا من نوع “ريد أبك” وبأسلوب “الديكودراما” الذي يعتمد تجسيد الأحداث درامياً إضافة إلى حديث الشخصية الحقيقية نفسها داخل أحداث الفيلم.

أبطال الفيلم

جسدت دور السجينة السياسية شميران الممثلة “سولاف”، وقد أشاد الجميع بأدائها الرائع والمعبّر عن بشاعة وألم التعذيب في السجون، كما وشارك في الفيلم عدد من الفنانين منهم: ستار السعداوي وأسعد مشاي وسعدون المالكي وأحمد شوقي وآخرون.
اما موقع التصوير والمبنى المشابه لمبنى مديرية الأمن العامة فقد تم الحصول عليه من (المركز الستراتيجي الإعلامي الوطني)، فقد كان مشابهاً تماماً، وقدمت التسهيلات الكثيرة في صناعة المناخ الحقيقي لمعتقلات وسجون الأمن العامة وآلات التعذيب وغيرها…

السجينة بين الجمهور

وخلال عرض الفيلم كانت بطلة الفيلم الحقيقية السجينة “شميران” حاضرة بين الجمهورليتسنى الحديث معها عن رأيها بالفيلم وعن مسيرتها كسجينة سياسية لتبدأ حديثها بالقول: قبل مرحلة الاعتقال تم إرسالي لموسكو للدراسة الحزبية هناك، فبقيت سنة عدت بعدها وأخذت أتنقل بشكل سري وكنت أتخفى وبعيدة عن أهلي حتى لا أؤذيهم. فبدأت أعمل في أعمال منزلية في البيوت للتخفي وجني المال أيضاً لأعيل نفسي فعملت كـ”بيبي ستر”، أي مربية أطفال، في بيت السفير الأسترالي لمدة سنتين إلى أن تم اعتقالي وأنا خارجة من بيت السفير, وكان يوم اعتقالي في 16 -6-1980 من شارع السعدون قرب المسرح الوطني، وقد كنت أحمل حقيبة فيها أخبار عن حزبي الشيوعي فرميتها على مجموعة من الناس وصحت بأعلى صوتي أنا شميران شيوعية أعمل في الإذاعة السريانية..

هذه الجملة كانت كفيلة بالتعريف بي لمنع إخفائي حيث نشر الخبر بصحيفة الحزب الشيوعي في كردستان.. بدأت رحلة تعذيبي لمدة 21 يوماً في حبس انفرادي، وقد كانت غرفتي هي مكان التعذيب للآخرين أيضاً، إذ يتم إخراجي منها جنب الباب ليعذبون غيري، وهو أسلوب تعذيب أشد وألعن من تعذيبي الشخصي فيها.. كنت أشعر وأسمع ويلات أجساد الموجودين وكانت أقسى لحظات

حياتي.

تضيف شميران: منذ اللحظة الأولى التي تم فيها أخذي في السيارة قررت أن أوعز لذاكرتي بالصمود والقوة لحفظ كل التفاصيل التي أملكها من معلومات عن حزبي واستعنت بالله أن يمدني بالقوة للحفاظ على حياة العوائل والناس الذين كنت أنتمي إليهم لأني أعلم أن أمامي رحلة تعذيب شاقة وقاسية جداً. وبالفعل كان أول يومين في منتهى الألم والقسوة في تعذيبي، أما بعد هذين اليومين فقد تعودت على ذلك، وكان أول عرض قدم لي قبل التعذيب هو أن أسافر إلى كردستان أو سوريا وأن أتعاون معهم بتزويدهم بالمعلومات التي يريدونها بين فترة وأخرى مقابل حريتي وتركي.. ولكن الموت كان أهون من ذلك عليّ ولم أضعف أبداً ورفض عقلي وكل ما آمنت به أن أخون ناسي وأهلي وحزبي.

مشاهد قاسية

كانت مشاهد التعذيب التي جسدتها الممثلة “سولاف” غاية في الألم والمرارة، ما أثار صيحات الاستنكار والبكاء بصوت عال من قبل السجينة وجمهور العوائل الذين تذكروا من كان لهم وتعذب بهذه الوحشية المرّة، أساليب قذرة ودماء وتشويه للأجساد والأرواح وروائح تعذيب جماعي لم يسلم منه حتى الأطفال.. بشاعة نظام ظالم.

كان الفضل لكل من بشيرالماجد وشميران، في توثيقه وعدم ضياعه لتدون الأجيال أية مرحلة عاصفة مرت بها البلاد ومر بها سجناء أبرياء ضحوا وتفانوا من أجل شعبهم.

مرحلة ما بعد الاعتقال

شميران أوديشو خرجت من السجن بإيعاز من الحكم البائد بسبب إرسال لجان تفتيش عالمية الى العراق للتأكد من الأساليب البشعة والتعذيب الذي كان يتعرض له السجناء بعدما كثرت الشكاوى ووصلت للعالم أجمع. لتعود شميران الى رحلتها في التخفي بعد إطلاق سراحها مع التهديد برجوعها بأقرب وقت. لتمضي شميران لإكمال ما بدأته وعُذبت لأجله، فعملت في بيت الطبيبة(سعاد) مربية لأطفالها لمدة أربعة أشهر ثم عملت بعد ذلك في بيت(نجيب حداق)، صناعي معروف، لسنوات عدة حتى أصبحوا كعائلة لها، إلى أن استقلت بعمل خاص بها وهو محل خياطة لتعمل خيّاطة بقيت فيه الى 2003، وخلال هذه الفترة درست وحصلت على شهادات جامعية، فهي خريجة إدارة واقتصاد1972 عملت في الإذاعة والتلفزيون السرياني وتجيد أكثر من لغة وأكملت الدراسة في كلية اللغات – اللغة الإسبانية.