المسرح الكردي… بدأ من المدارس واعتمد على التراث

60

ضحى مجيد سعيد /

أول وثيقة عن ظهور المسرح الكردي هي مسرحية (مه مي ئالان) للكاتب عبد الرحيم رحمي هكاري في عام ١٩٢٠. لكن في ستينيات القرن الماضي بدأت الحركة المسرحية بالانتعاش والازدهار، حين تخرّج عدد من الطلاب الكرد في معهد الفنون الجميلة وكلية الفنون في بغداد وعودتهم الى كردستان، وأيضاً ظهور تيارات فكرية وفلسفية.
لذا كانت فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات بحق عصراً ذهبياً للمسرح الكردي، لكنها في ذلك الحين اقتصرت على المناسبات الوطنية والقومية في المدارس والساحات المفتوحة، كما كانت هناك فرق تأتي إلى كردستان لعرض مسرحياتها.
في حوارنا مع السيد (هيوا سعد يونس) رئيس نقابة فناني كردستان في أربيل قال إن “هناك فرقاً مسرحية كردية عديدة تأسست في أربيل والسليمانية، منها جمعية الثقافة والفنون الكردية، وفرقة الفنون في أربيل، وفرقة الجامعة في السليمانية، وفرقة أربيل للتمثيل، وفرقة السليمانية للتمثيل.” موضحاً أن “الأعمال الفنية المسرحية كثيره وتتجاوز المئات، إذ أن الكرد اهتموا كثيراً بالمسرح لأنهم رأوا في خشبة المسرح منبراً حراً وثورياً لتجسيد قضاياهم القومية والوطنية، فغالبية المسرحيات الكردية كانت ذات طابع سياسي، كما أن المسرح احتضن الكثير من الفرق الموسيقية مثل جمعية (فنون وآداب) الكردية.” وتابع: “أما بالنسبة لأبرز المعوقات التي تُواجه المسرح الكردي فهي عدم الاهتمام بالمؤسسات الفنية، وأيضاً عدم وجود قاعات بالجودة الفنية، كذلك قلة المشاركات الخارجية، وعدم اهتمام الفنان الكردي بجودة أعماله، فضلاً عن عدم تعاون الوزارات المختصة من أجل الارتقاء بهذا الفن الجميل.”
تاريخ المسرح
أما صباح هرمز (ناقد مسرحي من مدينة كركوك – ٦٠ عاماً) فيقول: “اختلف المسرحيون الكُرد على تأريخ نشوء المسرح الكردي في العراق من حيث تقديم أول عرض، إلا أنهم لا يختلفون في كون ملحمة (مه مى ئالان) لمؤلفها عبدالرحيم هكاري أول نص مسرحي كردي، ولعل هذا ما حفّز البعض منهم لربط بدايات نشوئه بهذا النص، والبعض الآخر ربطها بنص ملحمة (مه م وزين) لأحمد خاني، المنشور في مجلة (بانكى كوردستان)، وهناك آراء أخرى ربطت نشأة المسرح الكردي بوقائع عديدة.”
وأضاف: “أنا شخصياً لا أتفق مع الذين يربطون نشوء المسرح بظهور النص، ذلك أن النص المسرحي جنس من الأجناس الأدبية، وليست الفنية والمسرح، يعني الدراما، كما يُعد الجمهور أهم عناصر الدراما، فبدون الجمهور لا تكتمل عملية الامتلاء الفني لدخول مفردات جديدة في النص من لدن المخرج وإنعاشه من قبل الجمهور، وهذان المنحيان (الخطّان) هما اللذان يُكسبان النص هُويته الفنية ويُحررانه من طابعه الأدبي ويُحولانه الى العرض المسرحي. وعلى هذا الأساس لا أعتقد أن المسرح الكردي قد نشأ عام 1918، فأغلب الظن أنه نشأ عام 1905 أو عام 1926، وأن الرأي القائل أن نشأة المسرح الكردي تعود الى عام 1926 يتسم بقدر كبير من الصحة، بسبب ارتباط هذه النشأة بالمسرح العراقي من خلال الزيارة التي قام بها المرحوم حقي الشبلي لمدينة السليمانية عام 1920 لتقديم مسرحيات باللغة العربية. ومن جانب آخر فإن هذه الولادة جاءت طبيعية، حالها حال المسرحين العراقي والعربي عن طريق الترجمة والاستيحاء من نص عربي، أما من الجانب الثالث فإن الكرد، استدلالاً من تراث ماضيهم القديم والحديث، يفتقرون الى النزعة التمثيلية السائدة لدى سكان وسط وجنوب العراق في التمثيل الديني لمأساة الحسين مثلاً، وليست لديهم ملاهٍ ليلية تُقدم ألواناً تمثيلية، كما لم يعرفوا مسرح خيال الظل والقراقوز مثلما عرفته شعوب معظم الدول العربية.”
نصوص عربية وأجنبية
وأشار هرمز الى أن “بصمات المسرح الكردي، على الرغم من مرور مئة عام تقريباً على نشوئه، إلا أن نشاطه لم ينتعش حتى سبعينيات القرن الماضي، حين برزت فيه مجموعة من المخرجين أمثال أحمد سالار، وفرهاد شريف، وطلعت سامان، وسمكو عزيز، وسعدون يونس، وصباح عبد الرحمن، وصفوت الجراح، ونوزاد مجيد، وفتاح خطاب، وفاضل الجاف، وفاضل القصاب، وغازي بامرني، وجليل زنكنة، وسليمان فائق، وغيرهم. الذين قدموا للفترة الممتدة من عام 1970 الى 1979 مئتين وستاً وثلاثين مسرحية، تسع وستون منها نصوص أجنبية وعربية والبقية الباقية، أي ما مجموعه مئة وستة نصوص، من تأليف الكُتاب الكرد.” وأكمل: إن “اللافت للنظر في ثمانينيات القرن الماضي، تحديداً خلال الحرب الإيرانية العراقية، وفي الوقت الذي كان فيه المسرح العراقي قد تحول الى مسرح تجاري، كان المسرح الكردي يسير بخطوات حثيثة نحو الإبداع والأصالة والتفرد، مُحدثاً ثورة حقيقية على المسرح التقليدي الذي فشل عبر أكثر من نصف قرن في تطوير أساليب إخراجية تُغني المسرح الكردي بتراكيب فنية ذات دلالات ورموز موحية، فبرز في هذه الفترة الى جانب أحمد سالار من السليمانية شمال عمر، وكاميران رؤوف، وبكر رشيد، وكه زيزة عمر، وميديا رؤوف، ونيكار حسيب، وزمن أربيل، وكريم عثمان، وفؤاد جلال. ومن دهوك فهمي سلمان، وآزاد عبد الله، وزهير فندي، فتبلورت الأساليب الإخراجية على ايديهم متأثرين بالأساليب الإخراجية الحديثة السائدة في العالم. التي وصلت إليهم عن طريق مشاهداتهم للأعمال المعروضة في بغداد.”
مضيفاً أن “المسرح الكردي لم يشهد مثل الذي شهده بعد انتفاضة عام 1991، بسبب فسح المجال للمنظمات الجماهيرية والشعبية المنضوية تحت لواء الأحزاب الكردستانية لأن تقدم عروضاً متدنية المستوى وبالاعتماد على الذين لا صلة لهم بالفن عموماً وبالمسرح خاصة، وكذلك لعزوف معظم المسرحيين الذين كان لهم شأن في بلورة الأساليب الإخراجية عن الإخراج. ولكن على الرغم من ذلك شهدت حقبة التسعينيات قسطاً لا بأس به من العُروض الجيدة، كما في (يوميات الإخوة) إخراج كاميران رؤوف، و(زمبيل فروش) إخراج زيلوان طاهر، و(من هناك) إخراج صديق حسين، و(الدروايش يبحثون عن الحقيقة) إخراج حسين ميسري، و(سه فه رى باك بونه وه) إخراج مهدي حسين، و(ئه حه ى كرنو) إخراج عثمان جيوار، و(عطيل) إخراج هيوا سعاد، و(الخراب) إخراج رؤوف، و(الباب) إخراج صباح عبد الرحمن، و(الخادمات) إخراج دلير محمد، وأخيراً مسرحية (ئه مكيلا) إخراج فهمي سلمان.”
عقبات
أما السيد طارق العقراوي (مسرحي وسينمائي – ٥٥ عاماً من مدينة عقرة) فيقول: إن “المسرح الكردي له باع طويل وسمعة فنية جيدة منذ زمن طويل، وكانت للفنانين الكرد صولات وجولات في الساحة الفنية العراقية تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً، والكثير من تلك الأعمال الكردية نالت جوائز وإشادات من أساتذة الفن المسرحي العراقي في المهرجانات المسرحية.” أما عن أبرز المشاركات التي شارك بها العقراوي فيقول: “شاركت في نحو (80 – 90) عملاً مسرحياً على مستوى الداخل في العراق والدول الإقليمية خارج الإقليم والعراق، جميعها أعتز بها، فقد كانت الخطوات التي بنت شخيصة (طارق عقراوي) الفنية.”
وتابع: “هناك عقبات أخرى تواجهنا الى جانب الأزمة المالية التي نعاني منها كمسرحيين، كالآليات الرديئة في اختيار الأشخاص الإداريين الذين يقومون بإدارة المؤسسات الإنتاجية الفنية، كونهم إما غير مؤهلين للإدارة، أو لأنهم مصابون بفايروس الفساد الإداري، وهذا بدوره انعكس على أساليب اختيار الأعمال والمخرجين وكيفية وكمية الدعم للأعمال أو المشاركات في المهرجانات، لذلك لا يجد الفنان المبتدئ فرصة عمل أو مشاركة.”
وفي سؤالنا عن دور جمهور المسرح وتفاعله، أجاب: “يبقى الجمهور حتماً جمهوراً واعياً ومثقفاً، وما زال يرى من خلال ما كان يتمتع به من تذوق للمسرح الذي كان في التسعينيات، الطروحات التي يتمنى أن يُشاهدها في الأعمال المقدمة، لكنه الآن، وبسبب قلة الأعمال التي تُقدم ونوعيتها، يكاد يهجر القاعات والعروض الهزيلة التي تُقدم من خلال المحاباة والمحسوبية.”