المسرح حين يكون قصيدةً يوميةً

343

طه رشيد/

القصيدة اليومية، هي مدخل فريد للدخول في فضاء اللغة بوصفها أداة لمشاركة اكتشاف المعرفة، فهي ليست نوعاً من أنواع التسويق اللفظي والزخرفة الشكلانية للكلام، بل هي أداة للمعرفة. والقصيدة اليومية ينبوع أو معين لا غنى عنه لكي تتموضع في قلب المعرفة. ومفردات القصيدة اليومية هي: المكان، الزمان، الأشياء، المجتمع في حركته وفي صيرورته، الظواهر الطبيعية، التقاليد والموروث الشعبي.

لذا فإن القصيدة اليومية لا تتوقف على شكل محدد لأنها تهتم بالمعنى ويمكن لنا أن نجدها في الشعر الكلاسيكي مثلما نجدها في الشعر الحديث. وهذه المفردات هي نفسها التي يمكن للمسرح أن يتبناها، لا باعتباره ترفاً بل حاجة ملحة للإنسان ينمي بها قدراته على الخلق والإبداع كلّ في مجاله.

سهل ممتنع

وهنا نجد أوجه التشابه الكبير بين مسرحية “سينما” وبين القصيدة اليومية التي تمتاز بسهولة ممتعة ومثابرة، ولكنها صعبة التقليد أي أنها تدخل في مفهوم “السهل الممتنع” الذي تتمتع به القصيدة اليومية الناجحة. وبكلمة أخرى يدخل المخرج كاظم نصار في مساحة “المسرح اليومي”، برغم أنه يميل إلى تسمية توجهاته المسرحية بـ”الكابريه السياسي”.

الناقد الفرنسي “ارميل تالبوت” يرى بأن ظاهرة “المسرح اليومي” التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي تعد “واحدة من أقوى اتجاهات المسرح والتي تمثلت في الرغبة بجعل “الحياة اليومية” منطقة تجريبية متميزة، وهي حركة نصبت نفسها بنفسها واهتمت بالشواغل اليومية درامياً”. وربما هذا هو أحد أسرار استمرار المسرح الفرنسي باجتذابه للجمهور حالياً بواقع مئة عرض مسرحيّ يومياً في باريس والمناطق المحيطة بها، برغم تعدد وسائل التقنيات الحديثة!

وإذا كنا نستطيع أن نجد القصيدة اليومية في مختلف أنواع الشعر كلاسيكياً كان أم حديثاً، قديمه وجديده، فإن كاظم النصاراستفاد في إخراجه “سينما” من كل المدارس المسرحية، فنجد التغريب والعبث بجانب التشخيص الستانسلافسكي، ليقدم لنا في الأخير خلطة طباخ ماهر لا تنقصها لا التوابل المحببة ولا النار التي تسربت لقلب المتلقي.

موتى ينبضون بالحياة

على حين غرّة تخرج شخصيات “سينما” من لحودها بسب ما لحق بها من حيف وهم في قبورهم فيملأون المقبرة احتجاجاً وهياجاً حتى يسكتهم الدفان “باسل شبيب” ليبدأ تداعي الحدوتة رويداً رويداً. وسرعان ما نكتشف أن شخصيات كاظم نصار الميتة في مسرحيته “سينما” تتسم بامتداد جذورها عميقاً في الأرض، فجاءت تحمل معها نفحات الحياة برغم مرور عدد مختلف من السنين على استشهادها أو قتلها، وكلّ منها يمثل بوضوح الشريحة الاجتماعية التي تنتمي لها.. شخصيات كلّ منها قائم بذاته وبنيت بدقة مهندس ذكي يعرف كيف يرتب أحجاره ليرتفع ببنيان مرصوص وبحبكة درامية لا تهتز أمام الزوابع!

فكان سائق السايبا مخلصاً لشريحته الجديدة “سواق السايبات”. لقد عانى سايق السايبا من هجرتين أولاهما التهجير القسري الجغرافي الذي تعرض له فانتقل مجبراً إلى مدينة أخرى، وثانيهما الهجرة من شريحة البرجوازية الصغيرة الى شريحة الشغيلة والكادحين وتبنيه لمطالبهم والدفاع عنها واتضح موقفه هذا عندما قرر (سكان المقبرة!) تأسيس مجلسهم البلدي.

بين زمنين

وإذا تساءلنا لماذا لم يتحدث هذا الكادح عن الانتماء إلى نقابة وطنية مهنية تدافع عن حقوقه؟ فالجواب موجود لدى المؤلف الذي يدرك بأن النظام السابق قد أفرغ النقابات من محتواها ومهامها الحقيقية وحولها إلى رادحين بحمد النظام. واستمر هذا النهج مخيماً بظلاله على النقابات لهذا اليوم مع اختلافات هنا وهناك. في الأخير أعطى المؤلف الحرية “لسائق السايبا” أن يكتشف الحقيقة ويحللها ويقترح البديل دون تدخل قسري من المؤلف.. وأعتقد أن هذا الأمر في غاية الأهمية وهو أن لا نجد ظلال المؤلف ولغته مفروضة على الشخصية، وتتضح رؤى المؤلف من خلال معالم تلك الشخصية دون شخصنة تذكر. وهذا ينطبق في “سينما” على بقية الشخصيات الأربعة. الجنرال “إياد الطائي” الذي قتل في إحدى معارك الحرب العراقية – الإيرانية أحياه المؤلف المخرج ورماه داخل صراع الوضع الراهن. وهذا الجنرال يفهم الديمقراطية على طريقته المتمثلة بضرورة عسكرة البلد وإشعال الحروب الداخلية والخارجية من أجل إطفاء الأزمات التي يمر بها الوطن متعكزاً على أهمية الأمن وأن “مصلحة” الوطن تتطلب ذلك.

أما الإعلامية “أزهار العسليّ” والشاعر”علاوي حسين” فقد رسمت ملامحهما بما ينسجم وتوجهاتهما كمثقفين يجدان التجربة الديمقراطية الجديدة جديرة بالتبني دون الغوص في الأسباب الحقيقية للأزمات التي راحا ضحية لها. فبشاعة النظام السابق لا تقل سوداوية عن الفساد والطائفية التي أنتجتهما المحاصصة المقيتة “بئر لك وبئر لي، برميل لك وبرميل لي، بطل لك وبطل لي!”

وفي عودة للدفّان “باسل الشبيب” فلا بد أن نعرف أنه الشخصية الوحيدة الواقعية والتي تختلف عن بقية الشخصيات الفنطازية. والدفاع يمثل الجهاز التنفيذي والقمعي، في آن، للسلطة التي لا نراها او نرى ممثلها في المسرحية ولكننا نسمع ونحس به وهو أشبه ما يكون بالتيار الكهربائي، لا تراه، ولكنه إن لمسك فسوف لن يتركك إلا جثة متفحمة!

الأداء الجمعي

لم أشاهد عملاً مسرحياً منذ فترة طويلة امتاز بهذه الصفة وهو “الأداء الجمعي” بين الممثلين، حيث كلّ واحد منهم يكمل الآخر ولا تستطيع أن تفضل أحدهم على الآخر حتى تحتار لمن تعطي جائزة أحسن ممثل! فكانوا جميعهم بارعين في الأداء وكلّ منهم شغل مساحته بابتكار مبدع وكان البطل مفرداً وجمعاً.
لقد أثارت مسرحية “سينما” أسئلة عديدة وتركت الإجابة للمتلقي وهو جوهر هدف المسرح الأسمى بتحفيز التفكير عند المتلقي عبر شخصيات ملموسة استخدمت النكتة هنا وهناك لتقدم كوميديا سوداء تترك فرحاً شفيفاً في الروح مثل أغاني فيروز الحزينة!