المصور صباح الجمّاسي فلسفة خاصة ورؤية للواقع

317

محسن إبراهيم /

عالم يدخله ويدرسه كثيرون ويعرض آلاف الصورعلى مدار السنين، لكن قليلين هم من يخلقون التفرد ويبهرون المتلقي عبر رسم عوالم مختلفة داخل مساحة الصورة ليبحر المشاهد فيها ويسبر أغوارها ويبحث في أعماقها. تلك هي الموهبة والإتقان والحب في سر التركيبة التي تنتج لوحة ناطقة.
ولأن الكاميرا كانت عينه الثالثة، أثبت صباح الجمّاسي على مدى عقود خلت أنه شيخ المصورين الصحفيين في العراق، فكان التوثيق همّه الأول، وجالت عدسته أرجاء العراق ليوثق في أرشيفه لحظات كثيرة تقص حكاية الأرض والإنسان، حكاية تعني مدناً بتاريخها وأهوارها وأزقتها وشخوصها، فاللقطة التوثيقية لديه تتسم برؤيا جمالية المكان مع الضوء، والظل والموضوع، ليتمتع المتلقي بالانسجام الفني لجمالية الصورة.
الصورة لديه خطاب مرئي ومسموع، يستلهمه من المدينة والناس والألوان وعفوية الأشخاص ليرى في كل حالاتها الحياة الحقيقية. عمل على خلق صورة مثيرة عبر استخدام المحيط من حوله وحاول أن يرى الحياة بعين سينمائية لخلق عالم جديد تختلف مشاهده عن العالم المُعاش، ورغم تقدمه في السن بقي صباح الجمّاسي مشاكساً بعدسته، يقتنص لقطاته من زوايا أو أماكن قد تكون قريبة منك، لكنه يجعلك تشعر كأنك تراها للمرة الأولى.
صناعة الدهشة
عملية التصوير لدى صباح الجمّاسي تبدأ على شاشة مخيلته، يرسم شخوصها وأبعادها ويستلهم موضوعها من بيئة معينة لتتضح الصورة النهائية بكل تفاصيلها الأساسية والثانوية، وبالإطار الذي رسا عليه الاختيار. تلك هي شاشة الخيال الخصب المدرَّب جيداً، المرتبطة بروابط مباشرة مع العين والعقل والذاكرة والإحساس الفني والإنساني بالمشهد. فهو دائم البحث عن الثالوث المقدس للصورة: الضوء واللون والحركة، تلك العناصر الثلاثة تمنح الصورة سحراً خاصاً وفريداً، يرصد الحركة ويطوّع الضوء واللون للانسجام معها، ليبدأ الحوار بين العين والعقل والذاكرة والإحساس لتخرج صورة مدهشة، فالتصوير فن يهوى الانطلاق في زوايا الكون، باحثاً عن إثارة الدهشة وعن مصادر تغذية المخزون الجمالي في الذهن والمخيلة.
سيرة وإنجازات
صباح الجمّاسي المولود عام 1948 في ميسان انتقل الى بغداد بصحبة العائلة قبل أن تندلع ثورة 14 تموز 1958، منذ بواكير عمره الأولى عشق التصوير وجال مع عدسته في أزقة بغداد ليوثق حياة المدينة بكل تفاصيلها. الجمّاسي الذي يمتلك ذاكرة ثرية وغنية عن الأهوار كان يحن دوماً الى تلك الأجواء فوثقها هي الأخرى بعين المصور الصحفي المحترف. عمل برفقة المصور الراحل جاسم الزبيدي في بداية الستينات لكنه لم يكتفِ بهذا القدر، بل قصد المصور الراحل مراد الداغساني الى مدينة الموصل للاستفادة من خبرته في الفوتغراف. في عام 1975 حطّ الرحال في الجمعية العراقية للتصوير فبرز اسمه مصوراً صحفياً محترفاً وسط عدد من مبدعي التصوير الفوتغرافي وعمالقته في العراق، شارك في المعارض التي أقامتها الجمعية العراقية للتصوير جميعاً ليصبح فيما بعد رئيساً لها، دعته شركة (اورفواكولر) العالمية عام 1976 لتمنحه لقب الامتياز بفن التصوير الصحفي، وفي عام 1977 نال درجة الدبلوم في التصوير المهني من شركة (دورسوت) الإيطالية كما حصل على شرف العضوية في المنظمة العالمية لفن التصوير، منحته الجمعية الأردنية للتصوير عضوية شرفية تقديراً لمجمل أعماله الفوتغرافية في عمان، انتدب للعمل في مؤسسات عدة منها: صحيفة العراق ودائرة السينما والمسرح، شارك في مهرجانات عدة في عمان وزغرب وهولندا وأقام تسعة معارض شخصية جسَّد فيها الحياة في العراق في شتى جوانبها، منحته نقابة الصحفيين العراقيين درع الصحافة عام 2008، وفي العام نفسه مُنح وسام الصداقة ودروعاً وأوسمة ليتوج بعدها بلقب التحكيم العربي والدولي للصورة بعد منحه شهادة بدرجة الدبلوم عام 2011، ترأس مجلس إدارة الجمعية العراقية للتصوير وأسس مجلة (وهج الصورة) التي تصدر عن الجمعية، فضلاً عن رئاسة مجلس إدارة مجلة (التصوير الرقمي) وصاحب الامتياز حيث يدير عمله الآن مصوراً صحفياً محترفاً في (مختبر الزهور للتصوير الفوتوغرافي) الذي يقع في ساحة التحرير .. قلب العاصمة بغداد.