المطرب قاسم إسماعيل: مطربو اليوم يعوزهم الوعي والذائقة الثقافية

687

نجوى عبدالله/

كثير من العراقيين يردّدون كلمات “سلامة يا وطن”، تلك الأنشودة الرائعة التي مدّت جذورها في الذاكرة حتى أصبحت أهم هاجس يشغل المواطن العراقي في داخل الوطن وخارجه أن يتمنى السلامة للعراق وحده من دون تمجيد شخصيات معينة كما كان يحدث زمن النظام المباد.

كنت أردّد كلمات هذه الأنشودة وأنا في طريقي للقاء مطربها الفنان قاسم إسماعيل للتعرّف على جديده الفنيّ، خاصة بعد تقاعده الوظيفي، إذْ كان نائباً لنقيب الفنانين ورئيساً لفرقة الانشاد العراقية والمشرف عليها، لكنه لم ينقطع عن ترجمة حبّه لوطنه ومواصلة مشواره الفنيّ والتواصل مع مستمعيه، إنه الفنان صاحب الصوت الشجي والهادىء والشخصية العراقية المهذبة الفنان قاسم اسماعيل.

“سلامة يا وطن”

كان من الطبيعيّ أن يبدأ حديثنا عن أنشودة “سلامة يا وطن” لكونها حفرتْ عميقاً في وجدان الناس، فقال الفنان قاسم إسماعيل: هذه الأنشودة التي كتبها الشاعر الكبير “أسعد الغريري” ولحنّها الملحن الراحل “قصي شبّر” كانت هي هويتي الأولى وبالذات في مجال الأغنية الوطنية، كانت ومازالت مطلباً “جماهيرياً” حيثما كنت وحللت، وحتى اليوم أرى الناس تحفظها وترددها.

الدولة مقصّرة

سألته ما إذا كانت الإذاعة والتلفزيون سبباً في رسوخ الأغاني العراقية الأصيلة، خاصة أنه دخل الإذاعة والتلفزيون منذ سنة 1972 فقال موافقاً: “بالتأكيد كان للإذاعة والتلفزيون الدور الأكبر والأهم في كينونة أغلب المطربين الذين اشتهروا، حيث كانت هذه المؤسسة هي المعنية بالتسجيل والتصوير وتحمّل التكاليف، فضلا عن منح كل مطرب أجوراً عن الغناء والتصوير. حتى إن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون قد منحت درجات وظيفية خاصة لبعض المطربين، وهذا بالضبط عكس ما يحدث حالياً، فالآن نجد قلة الرعاية والدعم لهذا القطاع المهمّ”.ويستطرد الفنان: “كان أهم ما يميز تلك الحقبة وجود لجان فحص وإجازة النصوص الغنائية والألحان وقبلها لجان اختبار قبول المطربين”.

مطربو “أيّ كلام”

للفنان إسماعيل تجربة في كتابة النصّ الغنائيّ، ففي افتتاحية مهرجان “المسرح ضد الإرهاب” سمعت أنشودة (يا عراق) التي هي من تأليفه، فسألته: هل هذه هي التجربة الأولى لك في الكتابة، فأجاب: “لي تجربة سابقة بسيطة جداً، لكن ما كتبته للمهرجان المسرحي الأخير كان التجربة الأهم، حيث كتبت النص مستفيداً من صميم شعار المهرجان “المسرح ضد الإرهاب”، وكانت قناعة المشرف على المهرجان الفنان غانم حميد كبيرة بخصوص النص الذي كتبته.

وبالحديث عن كتابة الأغاني استذكرنا شعراء الأغنية العراقية الأصيلة، أين أصبحوا؟ ولمَ لا يتم التعاون معهم لإحياء مجد الأغنية؟

“الشعراء موجودون” يقول إسماعيل لكنه يضيف “المشكلة أن مطربي اليوم يبحثون عن شاعر يكتب لهم “أيّ كلام” وبالذات الكلام الذي يحتوي المفردة الغريبة الجريئة حتى لو كانت سيئة، وبالتأكيد هذا نتاج قلة الوعي والثقافة عند البعض من هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم مطربين”.

فرقة الإنشاد

معروف أن “فرقة الإنشاد العراقية” قدمّت للغناء العراقي أصواتاً مهمة منذ تأسيس هذه الفرقة، فأين أصبحت اليوم، سألت الفنان قاسم إسماعيل: هل سنرى نجوماً في المستقبل تخرج من فرقة الإنشاد؟

فأجاب: “آمل أن يبرز البعض من أعضاء فرقة الإنشاد ليكون مطرباً، بشرط أن تتوفر لديه المقدرة على المطاولة والطموح والإصرار، ولو أن هذا الأمر أراه صعباً خلال الفترة القريبة”.
كان فناننا يشغل منصب نائب نقيب الفنانين، فكان لا بدّ من سؤاله عن دور هذه النقابة في دعم الفنان والنهوض بالموسيقى العراقية، لكنّ جوابه كان حاسماً وصادماً: “نقابة الفنانين ميتةٌ سريرياً، هي الآن مجرد إسم بلا فعل، ولذلك أسباب كثيرة أهمها عدم إهتمام الدولة بالفنّ والفنانين”.

يضيف: “أنا أستغرب عدم وجود جملة أو حتى كلمة في الدستور العراقي تشير إلى الفن من قريب أو حتى من بعيد. أعتبر هذا الإغفال قمة الجهل السياسي، ويمكن أن نسمي هذه الحقبة حقبة العصر الحجري فنياً”.

قديم ـ جديد

نلاحظ في الآونة الأخيرة قيام عدد من الفنانين بإعادة توزيع الأغاني القديمة، وهو أمر لا يرى فيه قاسم إسماعيل إساءة للتراث “لا بأس بتسجيل الأغاني القديمة بتوزيع موسيقي جديد، بشرط المحافظة على ميلودي موسيقى وغناء الأغنية الأصليّ، أنا شخصياً أحبذ ذلك؛ إذ تجب مواكبة ما يحدث في العالم من تطور يخدم ديمومة الأغنية العراقية”.

آخر الأسئلة كان عن آمال وطموحات الفنان قاسم اسماعيل فنياً واجتماعياً.

“الآمال والطموحات كثيرة وكبيرة” يقول الفنان ويستدرك: “لكنْ في ظلّ الظروف الحالية أتمنى أولاً الإنتهاء من المشاكل السياسية والإجتماعية لينهض البلد في ظل بحبوحة أمان تتيح لأبنائه الإبداع والبناء”.

يختم إسماعيل كلامه بالقول “أنا بصدد الإشتراك في عمل غنائيّ تشارك فيه مجموعة من المطربين والمطربات العرب”.