المقامُ العراقي غناءٌ بين رحى النسيان

60

محسن إبراهيم /

غناءٌ خارج مقاس الزمن، يجتاز حقباً من مئات السنين، طربٌ عالق بأنغامه لا تعصف به الأيام, غناءٌ عقد صفقة مع الإبداع برومانسية حالمة يرسم لوحة سريالية، يحلق بجمهوره إلى عالم حالم، منذ أن صدحت الأصوات الأولى (أمان أمان) شعر المستمع أنه انتقل إلى عالم خاص, عالم موسيقي ساحر، الانغماس فيه أشبه بالارتواء بعد عطش, يرهف السمع كي يستمع ويستمتع, وفي لحظة من الزمن لم يبقَ من تلك الأصوات سوى صدى سمفونية شجن, تتوقف ذاكرة الزمن وتردد نغمة حزن عن غناء غيّبه الزمن وأمسى بين رحى النسيان.
مرجعية فنية
حمل منذ نشأته الأولى بذور الفنون التي ازدهرت في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين، واختزل ثقافات وفدت على العراق في العصر العباسي، وأعاد إنتاجها في شكل فني له قواعده الخاصة، وأمسى مرجعية فنية لكل المشتغلين بالصوت من قرّاء ومنشدين ومغنين. يعود تاريخ المقام إلى قرون خلت ومنهم من يرجعه إلى آلاف السنين، ازدهر في الثلاثينيات من القرن العشرين في بغداد، وشكل حضوراً مميزاً، إذ ظهر رواده مثل نجم الشيخلي، وعباس كمبير، ويونس يوسف، ورشيد القندرجي، وحسن خيوكة، والرائد الكبير محمد القبانجي، ويوسف عمر، وناظم الغزالي، إضافة إلى ظهور فرق فنية في تلك الفترة منها: فرقة يوسف بتو، وصالح شميل وغيرهما. كان المقام العراقي أهم ألوان الطرب لدى البغداديين، إذ كانوا ينتظرون يوم الخميس أو الجمعة ليقصدوا المقاهي والكازينوهات المنتشرة في جانب الرصافة مثل كازينو الشابندر ومقهى عزاوي ومقهى شكر لحضور حفلاته. بعد مرحلة الرواد وحتى الثمانينيات واصل المسيرة آخرون مثل القارئ عبد الرحمن خضر، وحمزة السعداوي، وعبد الجبار العباسي وحسين الأعظمي.
فنٌّ غنائي خاص
ما يميز المقام العراقي هو اقتصار وجوده على العراق فقط، فهو يمثل الفن الغنائي الخاص لمدن العراق، ويتميز سكان بعض مدن العراق بقراءة المقام بطريقتهم الخاصة، لذا تفرع المقام العراقي إلى المقام البغدادي، المقام الموصلّي، المقام الكركوكلي ويطلق عليه اسم (خوريات) أو (قوريات), والمقام البصري.
في بغداد، عادة ما يؤدي المقام العراقي تخت موسيقي يتألف من القارئ ومجموعة من العازفين، كعازفي السنطور والجوزة والرق والطبلة، ويطلق على هذا التخت اسم الچالغي البغدادي. ما يميز المقام العراقي، هو احترام الخصوصية التي تفرضها صبغة المقام، فضلاً عن تمسكه بالميزة الجمالية على صعيد الأداء، وما يؤكد تلك الروعة هو مهرجان المقام الذي أقيم في القاهرة عام 1932 الذي حضره الملك فؤاد الأول وعدد كبير من الفرق جاءت من جميع أنحاء العالم، ومن بينها العراق الذي شارك بفرقة (الجالغي البغدادي) وكان يرأسها محمد القبانجي، استطاعت هذه الفرقة أن تجتاح الساحة المصرية وأن تفوز بالجائزة الأولى وتثير إعجاب الملك، فأعطاها مدة ساعتين لتقدم فنها، علماً أن الوقت المقرر لكل فرقة كان 20 دقيقة.
أصولٌ وقواعد
مفهوم المقام هو نوع من الغناء الكلاسيكي الذي يتألف من عدة مقاطع لا تقبل الزيادة أو النقصان، ولقراءته أصول وقواعد، تعتمد على السمع والتنقل على السلالم الموسيقية بطريقة مضبوطة، لذا فإن المقامات هي غناء فني وضعه ولحّنه مغنون عراقيون ووضعوا له قواعد وأصولاً لا يجوز للقارئ أن يحيد عنها ولا يجيدها إلا من تعلم القواعد والأصول.
والمقام العراقي وحدة مترابطة من عدة مقوّمات، وهى تتألف من النغم والشعر والإيقاع وطريقة الأداء. أورد المرحوم هاشم الرجب في كتابه عن المقام العراقي ثلاثة وخمسين مقاماً، وأفاد أن الأنغام التي تتفرع منها كل المقامات عراقية، وهنالك بعض المقامات ليست عراقية بل تركية أو فارسية وغيرها، لكن يبقى المقام العراقي هو الأكبر بينها, وتصنف المقامات إلى قسمين؛ الأول مقامات الفصول، ومنها مقامات البيات, والحجاز, والحسيني, والرست, والنوى. والثاني مقامات غير داخلة في الفصول وهى تضم كل المقامات الأخرى ومنها مقامات الجمال, والهمايون, والنوروز عجم, والبشيري, والدشتي.
مقاومة الاندثار
في الثمانينيات قدّم المرحوم الأستاذ يحيى إدريس برنامج المقام العراقي في التلفزيون العراقي بعنوان (على ضفاف التراث) وأنشأ فرقة مقرها المتحف البغدادي اكتشف من خلالها مواهب جديدة. وفي الفترة ذاتها أُسس بيت المقام العراقي الذي لمّ شمل أهل المقام تحت خيمة رسمية، وشُكلت لجنة استشارية ضمت نخبة من كبار المهتمين والموسيقيين منهم الشيخ جلال الحنفي، وعبد الوهاب الشيخلي, وعباس جميل, وحسين قدوري, وغانم حداد , وروحي الخماش. وكانت مهمة تلك اللجنة هي الإشراف على المنابر والمهرجانات المتخصصة بالمقام العراقي، ويبدو أن تلك المحاولات لم تفلح حتى عدّت منظمة اليونسكو المقام العراقي من الفنون المهدَّدة بالاندثار. حتى معهد الدراسات الموسيقية في بغداد سجل تراجعاً خطيراً في أعداد المقبلين عليه لتعلم فنون المقام العراقي والأنغام الشرقية والعربية في السنوات الماضية إذ لم يصل عدد المتقدمين للدراسة إلى عشرة طلاب، وهو ما يمثل كارثة تهدد التراث الموسيقي في البلاد، دعوة أطلقها موسيقيون ومهتمون بالتراث الغنائي العراقي للالتفات إلى هذا النوع من الغناء بعد أن اجتاحت الأنغام الهجينة ساحة الغناء العراقي الأصيل.