الهام المدفعي المزج بين ترف الغناء وأصالته

717

عباس الحسيني/

هو من ضمن أجيال عدة امتهنت واحترفت عزف «الكيتار» وأداء «الفرانكو آراب»، ومع أنه مثل روح الترف في الغناء العراقي لكنه لم يتخل عن التراث والأصالة.ارتبط اسم الفنان الهام المدفعي بآلــة الكيتار الغربية، عزفاً وأداءً صوتياً، غير أن ملامح الأداء التي سار عليها وطورها خلال مسيرته الفنية، انما تمثل عملا خلاقا ورائعا تجسد في السعي الدؤوب، الذي قام به الفنان في نقل وتوزيع معالم ومفردات موسيقى التخت الشرقي الى آلات الباند الغربي.
صور
أن أول صورة ذهنية تسترجعها ذاكرة المستمع أو المشاهد للفنان الهام المدفعي، هي روح التراث والأصالة. يمثل الهام المدفعي مرحلة جميلة من مراحل الترف العراقي، حيث التمدن السريع، والرغبة في تقليد التجارب الغربية، في الفن والأدب. يعد الفنان الهام المدفعي رمزاً فنياً، ارتبط اسمه بآلــة الكيتار الغربية، عزفاً وأداءً صوتياً، إن بعض التجميعات الإيقاعية التي تؤدى في النمط الغربي كانت من ابداعات الفنان ذاته، ويتناولها الموسيقيون بـاسم الهام المدفعي، ومنها الإيقاع الذي يؤدي الفنان عليه الأغنية المقام العراقي التراثية ( يا زارع البزرنكــوش – إزرع لنــا حنـّة ) حيث يطلق على إيقاعها – الهامي – وهو ما أغضب الفنان والملحن العراقي عباس جميل وقتها، حين أدى معنا في جمعية الفنانين في المنصور أغنية – يازارع البزرنكوش – حيث قال ما الذي تعنونه بـ (إيقاع الإلهامي)، الذي هو إيقاع الجه جه الغربي – مطعـّـم بملامح الايقاع الشرقي، وحين استمع الملحن الكبير اليه، وجد فيه بعض الإختلاف في الدوران الذي تؤديه الطبول الغربية مع جزئي الصنوج المصاحبة، فأثنى عليه.
أغان
أدى الهام المدفعي هذه الأغنية وأغاني تراثية أخرى مثل – ون يا كلـب – وأغنية – النوم محرم على الأجفان – لما حبيبي جافاني – وأغنية: واعله جبـين الترف لوكـي يمكرونـه و: الميرابض –وأغنية: يــا ناس ولفي شماله، للمطرب ناصر حكيم، وأغنية: عا الليالي ليالي ليالي، للمطرب الريفي المشهور داخل حسن.
وأغنية: للناصرية، من مقام الرست، وأغنية: الليلة اسافر للهند، من مقام البيات، وأغنية: نوحي على العافوج يا روحي نوحي، من المقام العراقي الأصيل، وحين سمع موسيقار الأجيال الملحن العربي محمد عبد الوهاب إيقاع الجورجينا العراقي، قال قولته الشهيرة: «أن مجمل الموسيقى العربية تدور في فلك واحد، بإستثناء الموسيقى العراقية، فأنها تدور في فلك خاص بها.
الجذر الموسيقي
لقد كانت اسهامات الهام المدفعي في مجال توزيع الجمل اللحنية إبداعا آخراً، يضاف الى ابداعاته في العمل في مجال التراث الموسيقى العراقي الأصيل، حيث أصبحت آلة الباص كيتار BASS، بديلة لآلة الكونترباص، في التخت الشرقي، ولكن بأسلوب الجمل المكررة – الدبــلات، ومن الذين ابدعوا في ذلك الفنان العراقي عازف الباص كيتار الرائد آرميــن، وهو نهج جعل الأغنية تتماهى مع النغم المهيأ والجديد من مزاوجات الحروف الموسيقية داخل ذات الإستقرار اللحني، وهو جمال متموسق لم تألفه الأذن الشرقية من قبل، لكنه وبمصاحبة الخلفية الموسيقية لآلة الكيبورد الأورغ، للفنان سعد هرمز، والأداء الشاعري لآلة وصوت الفنان الهام المدفعي مع الترديد الهاروموني لفرقته المؤدية والمغنية معا، تكون النتيجة فنا أصيلا ومبدعا، لا يتـضـارب وشرائط الأداء اللحني العربي، وأن احتج البعض من النقاد والموسيقيين، ومنهم الملحن العراقي فاروق هلال، على أن هذا الأداء انما يمثل تغريبا وابتعادا عن الجذر الموسيقي الشرقي، في تقليد الآلة الغربية لحرف وروح الآلة الشرقية.
أن الهام المدفعي في توزيعاته التي اختلفت ما بين المقام العراقي كما في الأغاني التي اشرنا اليها، أو أغاني المعاصرين له، والمطربين العرب، انما يمثل حالة من حالات تمثيل الأغنية الشرقية لكي يثبت أنها حية ومتجددة، ويمكن تؤدى على مختلف الثقافات الموسيقية، ففي الوطن العربي ما من مستمع نهم إلا ويتغنى بـ مالي شغل بالسوك مريت اشوفك و فوك النخل و خطار عنده الفرح نعلك صواني شموع، من مقام الحجاز.
تميز
المميز في عمل الهام المدفعي هو الثقافة العالية في التذوق والأداء والإبتعاد عن الخطوط التجارية والأنماط المستهاكة، وعمله الدؤوب في أحياء معالم التراث الغنائي، من المقام العراقي والغنائي الريفي، على حد سواء. وهناك اللمسـة الشاعرية في صوته الحنين، الذي يشعـر برومانسية حقيقية كما في: يا عذولي لا تلمني، فالهوى غدار و عسنك هله ويبه يا شط عسنك – محضي من شوف الماي، من المقام العراقي، والتي أداها مطلع السبعينات وأغنية: يضربني طول أنا بالخيزرانه… و آنه يـسوادي، على إيقاع الهجع الراقص – وهي من التراث الريفي و طلعت يا محله نوره… للموسيقار العربي سيد درويش، تحت الرمانة وغنتها المطربة العربية المبدعة فيروز، والايرانية كوكوش أيضا، حيث اعجبت بها وقدمتها بأداء تحت الرمانة، في بغداد.
ان خط الموسيقى الغربية يحمل جذورا عميقة في العراق، وذلك أن العراق، وهو بلد متعدد الأعراق والإنتماءات، ويحمل الكثير من أناشيد وطقوس الأقوام، التي كانت وما زالت تعيش على أرضه، حيث أثرت تراتيل الكنائس وأناشيدها في القداسات، وبما جعل شريحة كبيرة من المسيح، من الآشوريين والكلدان والأرمن والسريان في العراق، يؤدون مقاطع في أغنيات الأعراس والتوليفات الشخصية ذات طابع كنائسي ابرالي رائع، والأروع من ذلك أن النغم المؤدى يحمل طابعا شرقيا اخاذا كما في صوت المطرب: جنان ساوى و سركون غابريال وليندا جورد وآشور سركيس وكذلك خبات وديلورعيسى وغيرهم.
شجن الكيتار
لقد عمل الفنان الهام المدفعي، على مزج التراث بآلة الشجن الحديثة، الكيتار، وهو أمر يعد تطويرا وابداعا، حيث الشمولية، بسبب من سعة انتشار هذه الآلة وبساطتها وشاعريتها، في تأدية الأغاني التي يتم إعادة احيائها وبروح جديدة محدثة، لا تقترب إلا من روح ونسق الإبداع عند الإثنين، ذائقة المستمع وجنون المؤدي، كما قام الفنان العراقي الموصلي: سيف شاهين، بتقديم أغان عراقية على نمط البلــوز الغربي، في أغنية، حتى أنتِ اللــي أحبه، ومن قبل أغنية، ما ريدك ما ريدك، على ايقاع الجيرك.
ولابد من التنويه الى قصيدة الجراح، الصباح الجديد للشاعر التونسي الرائع أبو القاسم الشابي، وهو عمل أداه الفنان الهام المدفعي في مطلع السبعينات، ثم اعاد تسجيله بأسلوب حديث، ولالهام المدفعي أغنية أخرى من قصائد الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي، وقصائد أخر تضمنتها حفلاته الخاصة.