انطلاق مهرجان الفنون الإسلامية في الشارقة

392

 أمجد ياسين /

أن تبحث عن ماهية “مدى” فأنت في حضرة الخيال الذي يستمد طاقته من إزاحة وانعكاس الواقع. ينفتح شعار مهرجان الفنون الاسلامية “مدى” في الدورة الثانية والعشرين على الكثير من التأويلات الفكرية والفلسفية، فهو مزيج من الواقع والخيال، وهو المابعد الذي يعيش عالمه الخاص، وتحاول أفكار ورؤى الفنانين المشاركين ملامسة هذا التكوين الهلامي الغني بالخيال، الذي يمنح الفنان حرية استنباط أعمال فنية تحاكي الحداثة،لكن جذورها تنتمي إلى الفن الإسلامي، وليس أكثر من مخيلة الفنان لاستيعاب هذا التعريف وملامسة هذا المكان المفترض الذي يشكله وعينا الفني والثقافي والإسلامي والإنساني عموماً، لأننا إزاء عالم مليء بالصور الافتراضية والرؤى المتحركة التي تسبح في رحاب مكان معلوم ومجهول، حقيقي وغير حقيقي، غرائبي وواقعي، مكتشف ومجهول.. هو البحث في إمكانية واحتمال الأشياء.
افتتح الشيخ د. سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة يوم الأربعاء الحادي عشر من كانون الأول 2019 الدورة الثانية والعشرين من مهرجان الفنون الإسلامية بحضور كل من الأستاذ عبد الله العويس رئيس اللجنة العليا للمهرجان، والأستاذ محمد القصير مدير المهرجان، وفرح قاسم محمد مسؤولة المهرجان، فضلاً عن حضور جماهيري كبير.
يستمر المهرجان من الحادي عشر من كانون الأول الحالي ولغاية الحادي والعشرين من كانون الثاني 2020. مهرجان هذه الدورة والذي حمل شعار “مدى” يعتبر امتداداً لمشروع إمارة الشارقة الثقافي والتنويري الذي يحظى برعاية سامية من قبل حاكم الشارقة، إذ تفردت الإمارة بجعل الثقافة رسالة وهوية لها لما تمتلكه من بعد حضاري يكتنز الكثير من المنطلقات الفكرية والثقافية التي تركز على الإنسان كقيمة عليا تنطلق منها لتبحث في الهوية العربية والإسلامية والتوسع فيها وتصديرها إلى الواجهة الثقافية العربية والعالمية من جديد، وما ثيمة مهرجان هذا العام إلا سلسلة متواصلة لإبراز قيمة الموروث العربي والإسلامي لأمتنا عبر استضافة العديد من الأعمال الفنية العربية والعالمية التي تنطلق من ثيمة المهرجان “مدى” Prospect.
تضمن برنامج الافتتاح الذي احتضنه متحف الشارقة للفنون الكشف عن 31 عملاً فنياً مشاركاً، تميزت الأعمال بطابعها الحداثي، إذ مالت أغلبها إلى الفن التركيبي Installation art، وتميزت دورة هذا العام بمشاركة عربية من الإمارات ومصر واليمن وسوريا والعراق، فضلاً عن مشاركة واسعة من الولايات المتحدة الأميركية.
اللقاء مع الله
قدم الفنان الإسباني خوسية كارلوس أعمالا فنية تنتمي إلى ثقافة تراثية محضة، نذكر منها “اللقاء مع الله”، “بلاط قصر الحمراء”، “الطريق”، “قوس الصيد”، “دمشق”.. إذ استحضر اللوح الأموي الجلدي المذهب كجزء من تراث امتد آلاف السنين في مجال تحويل المعادن سعياً للحصول على الذهب والثروة والسلطة مجسداً حلم البشرية. وتاريخ الجلد المذهب بدأ من مدينة (غدامس) في القرن 18 كمعالجة للقطع الجلدية المذهبة أو المزينة بالفضة ثم جرى تطويرها في القرن العاشر في قرطبة في العصر الأموي. وتمتاز هذه الألواح الجلدية المذهبة من قرطبة بغناها بالتصاميم النباتية أو الحيوانية والأشجار، إذ يبدأ الفنان عمله بالتخطيط على جلد الخروف مستخدماً الفضة والذهب والألوان.
يقول كارلوس إن هذا النوع من الفن قد أفل من زمان، وهو الوحيد ربما الذي ما زال يمارسه، كصلاة له مستمرة مليئة بالضوء وتعج بالفروع والأوراق المقدسة وتعبيرات الليالي المظلمة، وإن اللوح الجلدي بالنسبة له مشهد من الأشكال التي ينتهي بها المطاف إلى الجمال.
تراكيب
شاركت الفنانة الإمارتية عزة القبيسي بعمل حمل عنوان “تراكيب” ، انطلقت الفنانة من عملها في مجال صناعة الحلي والمجوهرات التي درستها في جامعة لندن غيلدهول ثم دراستها للماجستير في الأنماط الزخرفية المستخدمة في العاصمة أبو ظبي لتقدم عملاً يحاكي ثيمة المهرجان والبيئة المحلية. تقول القبيسي: إنها في عملها هذا تحاول البحث عن زخرفة وأشكال هندسية خاصة ببيئتها، فلكل بييئة زخرفاتها، لذا سعت إلى تقديم عمل تفاعلي عن الأنماط التي تخلق نماذج عملية للتصميم تستلهم من مواد محلية مستوحاة من جذع شجرة النخيل.
استخدمت القبيسي مواد الخشب والضوء والقماش لتكوين العمل الفني الذي امتاز بقصات تشبه جذع النخلة على شكل طبقات يتخللها الضوء تميل إلى الديكور، كذلك عمل وسادات زرقاء اللون من الشكل نفسه، فضلاً عن مصطبات للجلوس.
الضوء والفراغ
شارك الفنان المصري أحمد قرعلي بعمل حمل اسم “روح المدينة” وهو عبارة عن طبقات متتالية من قماش الشيفون صممت بطريقة توحي بأنك داخل مجموعة من القباب والبوابات الإسلامية، يتخللها النور الذي يضفي عليها طابعاً من القداسة والشفافية ليتشكل عندنا مزيج متجانس بين التشكيل بالضوء والتجهيز بالفراغ، يشكل النور ثلاثة أرباع الخامة وهو ما يحدد الأشكال كلها، وإذا اختلف النور من أي اتجاه يختلف التكوين كله. العمل قراءة بصرية تجريدية للمدينة، ولنقل لروحها التي تطغى عليها أثناء الأذان والصلاة.
يتكون العمل من 8 طبقات من ستائر الشيفون غير المتساوية، حتى يخيل للمشاهد أن شيئاً ما يتوارى في الخلف، غير أن تصميمها يعكس تاريخ العمارة الإسلامية وفق رؤية الفنان نفسه.
التأمل في الطبيعة
“إزهار”، هو العمل الفني للفنان الصيني لي هونجبو، والذي يجسد رؤية الفنان الإنسانية التي تدعو إلى إيقاف الأذى والكراهية والمعاناة الدموية، عبر لغة بصرية لافته تعكس الطاقة الكامنة في الأشياء لجذب المشاهد وخلق الدهشة لديه، يقدم العمل مساحة كبيرة من اللون والأشكال الهندسية التي تضفي طابعاً يفيض بالبهجة ويدعو إلى التامل في الأشياء، فالعمل أشبه بحديقة كبيرة ملونة أفردت لها صالة عرض كاملة إذ يتداخل اللون وينسكب في فضاءات المعرض والجهات جميعها كظاهرة طبيعية تدعو إلى التأمل. يقول هونجبو: “عندما تكون هناك حياة، سواء أكانت قوية أم ضعيفة، طويلة أم قصيرة، خشنة أم راقية، قريبة أم بعيدة، مرئية، فإنها يجب أن تعامل بطيبة قلب لا حدود لها ويجب ألا نرغب أبداً في إلحاق الأذى بها فقط من أجل أنانيتنا”.
المسار المجازي
استحضر الفنان الأميركي الأرجنتيني دانتي دونتي في عمله “المسار المجازي” عالماً ناشئاً عميقاً يجمع الفترات الزمنية المتعاقبة وكل ما تتضمنه، حيث تظهر الأشكال منظوراً بصرياً جديداً لا يكون فيه الفضاء هو المنظور الوحيد الذي يحدث، بل هناك أيضاً عاملا الوقت والثقافات، وستكون هذه القطعة الفنية مسؤولة عن تعزيز الخيال، وخلق مشاهد فريدة في العقول. فالمنظور هو إسقاط حقيقي ومجازي يستخدم لجعل المكان الذي تحدث فيه الأشياء لا نهاية لها، وهو المكان الذي يتوسع فيه العالم الحقيقي حتى يصبح غير واقعي، وبالتالي فإن القطعة الفنية المقترحة دعوة للتعبير عن مشاعرنا وملاحظتها في لحظة سمو وارتقاء. تحتوي القطعة الفنية التي تم إنشاؤها على مشاهد داخلية متعلقة بالثقافة الإسلامية وعالم الفن، وستكون لكل جانب من جوانبها مشاهد مستوحاة من هذين الموضوعين.
أرقام وإحصائيات
يقدم المهرجان 253 فعالية من معارض وورش فنية ومحاضرات وجداريات تستضيفها دائرة الثقافة في إمارة الشارقة بالتعاون مع 28 جهة في الإمارة نذكر منها: مركز مرايا للفنون، والقصباء، وكلية الفنون في جامعة الشارقة، ومتحف الشارقة للخط، وبيوت الخطاطين، وجمعية الإمارات للخط العربي والزخرفة الإسلامية، ودائرة الشؤون الإسلامية، وغيرها من الجهات الرسمية. وتشمل الفعاليات 54 معرضاً يحتضنها متحف الشارقة للفنون وواجهة المجاز المائية، ومسرح المجاز، وواجهات أخرى في الإمارة، إذ يحتضن متحف الشارقة 31 معرضاً لفنانين إماراتيين وعرب وأجانب، نذكر منها معرض الفنان المصري أحمد قرعلي على مسرح المجاز وتحت عنوان “مبنى ينمو” ، أما واجهة المجاز فسيتصدرها عمل الفنانين اليابانيين كاز شيران وكاينو ساكوما بعنوان “تأمل / لعب” .