بأجنحة الخيال.. فوتوغرافيون استحضروا واقعة الطف

56

محسن إبراهيم /

ثورة الإمام الحسين في واقعة الطف كانت ومازالت ملهمة لكل أشكال الفن والأدب، فالأفكار والخيال والعاطفة حين تذوب في بوتقة العشق لابد لها من أن تنتج صوراً تجسد واقعاً أو حدثاً ما، ولا حدث تاريخياً أوجع ولا أفجع من كربلاء الحسين.
إنها تكتظ بصور مليئة بالتراجيديا الإنسانية تطرق باب العين وتدخل إلى عمق شعور المتلقي بلا استئذان حين يجيد الشاعر رسم كلماته وينطلق بقصيدته إلى أعمق نقطة في إحساس المتلقي، ويطلق الرسام العنان لريشته لتجسد لوحة ذات معان ودلالات، ويعتلي الممثل صهوة المسرح ليقدم رسالة تقرأ بتمعن.
الحال هو ذاته في التصوير الفوتوغرافي الذي يتشابه كثيراً مع الشعر والفنون الأخرى في أركانه وأغراضه. مصورون فوتوغرافيون جسّدوا معركة الطف وثورة الإمام الحسين من خلال عدساتهم، حلقوا بأجنحة الخيال واستحضروا الواقعة فخرجت أعمالهم ممزوجة بإحساس الزمان والمكان.
سبايا الطف وسفينة النجاة
المصور الفوتوغرافي (حسنين الشرشاحي) الفائز بجوائز عربية وعالمية عدة تحدث قائلاً: “الحدث هو ما يحرك أحاسيسي وعواطفي, منذ الصغر وأنا أقلب واقعة الطف في خيالي، وهذا كان المفتاح الأول للتصوير، لأستخلص من روح الحدث صورة بلاغية تؤثر وتحرك الأرواح، وأصبّ روحي في ذلك الإطار الذي رتبت كل عناصره، ثم أحبس تلك اللحظة لأخاطب الجميع بلغة واحدة, الحديث عن واقعة الطف يحيل بالضرورة إلى ذكر عاشوراء وطقوسها كشعائر مميزة، لذلك كانت حشود الزائرين تثيرني في تلك المناسبة، فتتحرك عدستي هنا وهناك وتلتقط الحركة والأشخاص، لتتفاعل كل هذه المكونات في لقطة واحدة أخلدها ذكرى للتاريخ . الصورة تجسد معنى معيناً ومشاعر مختلفة. إضافة إلى معان أخرى إن تكونت في المشهد الفوتوغرافي فستكون هناك حتماً صورة حية تنقل فيها تلك المعاني بصدق. أعمالي الفائزة في المهرجانات العربية والدولية ومنها (سبايا الطف وسفينة النجاة) كان الهدف منها إيصال رسالة الحسين ومظلوميته وأهل بيته إلى العالم.”
أرشيف ضخم
المصور الصحفي (صفاء علوان) الذي يعدّ ممن يمتلكون أرشيفاً ضخماً وثّق به عاشوراء على مدى سنين طوال قال: “كما معروف فإن قضية الإمام الحسين (ع) تشغل حيزاً كبيراً من وجدان الضمير الإنساني، وهي مصدر ضوء وإشعاع وإلهام لكل الباحثين عن الحرية في العالم.” يضيف علوان: “ارتباطنا بالإمام الحسين هو ارتباط روحي رضعناه منذ الصغر, لذلك فإن يوم عاشوراء وزيارة الأربعين هما الحدثان الاكثر إبهاراً للمصور، وعن نفسي أجد أن أصعب موضوع من ناحية التصوير هو موضوع عاشوراء, الصعوبة تكمن في أنك تحتاج إلى أن تختزل التاريخ بصورة فوتوغرافية تستطيع أن تقنع بها المجتمع إن كان عراقياً أو عربياً أو دولياً أن تلك الطقوس التي يمارسها الناس هي طقوس عفوية نابعة من رسوخ حب الحسين في القلوب، وأنها طقوس إنسانية خالية من أية غاية أخرى، هذا هو الاختبار الحقيقي لاختصار كل تلك المواقف في صورة فوتوغرافية تؤطر الأماكن والأشخاص، وهنا يجب أن يتفاعل لديك الحس الصحفي والوثائقي لأنك ستؤرخ لمرحلة ما بالصورة. أسلوبي في التصوير يعتمد التركيز على البيئة العراقية وما تكتنزه من حضارة وتاريخ وحكايات تبرز معدن الشعب العراقي الأصيل, وعلى مدى أكثر من أحد عشر عاماً كنت موجوداً في كل عاشوراء وكل زيارة أربعين، وأعدّ نفسي ممن يمتلكون أرشيفاً ضخماً لهذا الحدث، وكان من المقرر أن أعرض أرشيفي الصوري في معرض عالمي، لكن تفشي وباء كورونا حال دون ذلك. الفكرة مازالت قائمة وستنفذ قريباً لتكون الصورة خير سفير لطرح قضية الإمام الحسين.”
إحساس وفكرة
كذلك تحدث المصور الفوتوغرافي (مهند حسن السوداني) قائلاً: “لا يمكن أن يحصر التصوير في المجال التوثيقي فقط، بل هو إحساس وفكرة، وقد يكون هناك شعور ما في أعماق المصور يبحث عن ترجمة له على نحو ما.”
يتابع السوداني حديثه: “منذ أن كنت صغيراً في محافظة ميسان التي نشأت فيها، كنت أشاهد مواكب الحزن الحسيني وهي تترجم ذلك الشجن السومري الذي ينشده أهلنا حزناً على الإمام الحسين, وهنا احتل السؤال حيزاً كبيراً من تفكيري؛ كيف لي أن أوثق تلك اللحظات وأجعلها تاريخاً وسجلاً لأجيال قادمة، فوجدت ضالتي في الكاميرا، وبدأت رحلتي مع التصوير، وكان لابد لي من أن التقط ما يترك أثراً في نفس المتلقي، فحين تتأثر عينه، فإن تلك اللقطة ستأخذه بعيداً إلى عالم آخر تستحضر أمامه حدثاً ما وتثير أحاسيسه ويعيش لحظات خاطفة داخل الحدث، كل هذه العوامل تؤدي إلى بناء درامي يعيشه المتلقي بأدق التفاصيل.”
ويختم حديثه بالقول: “واقعة الطف هي مدرسة درامية قائمة بذاتها يمكن لكل مهتم بنوع من أنواع الفنون أن ينهل منها ما يشاء, وأن يكوِّن رؤية خاصة به, يتعايش مع الحدث ويسبر أغواره ليكوّن في النهاية لوحة متكاملة، إن كانت صورة فوتوغرافية أو لوحة فنية أو عملاً درامياً, كل هذه الأعمال ستحكي لأجيال قادمة قصة رجل عشق الحرية وحارب الظلم والاستبداد.”