بروس ويليس.. من بطل خارق الى رجل أبكم

37

ترجمة وإعداد: خالد قاسم عن مات زولر مجلة فولتشر /

بدأت نجومية بروس ويليس في غرفة اجتماعات قناة “أي بي سي” عام 1984، حيث التقى كبار مسؤولي القناة آنذاك لمناقشة رغبة المخرج غلين غوردون بإسناد دور البطولة في مسلسل “مونلايتنغ” الى بروس ويليس، وهو عامل حانة سابق من نيوجيرسي، أما مسؤولو القناة فأرادوا اسماً مشهوراً يمثل ذلك الدور.
بعد انتقاله من مجرد شخص مجهول الى نجم تلفزيوني كبير خلال بضعة أشهر، بدأ ويليس على الفور بتحويل مساره نحو العمل السينمائي. وكانت انطلاقته أواخر الثمانينيات بفيلمين للمخرج بليك إدواردز، واستمر بأداء أدوار متنوعة تراوحت بين رجل عصابات سابق وصحافي مدمن على الكحول وشخصية مفرطة في الحكمة. ويسهل تخيل جدول زمني مغاير يتجنب ويليس فيه أدوار بطل الأكشن مفتول العضلات، ويصبح بدلاً من ذلك شبيهاً بالممثل الراحل كاري غرانت، أي ممثل يتسم بالحذر والوعي الذاتي والبلاغة في الحديث وعدم ممارسة أدوار الأكشن لأنه يجيد الكلام عند الأوقات الصعبة.
لكن مع اعتزال ويليس التمثيل في آذار الماضي بسبب إصابته بمرض “فقدان القدرة على الكلام”، فإن الجمهور يتذكره بأداء دور البطل العنيف جداً، قليل الكلام على غرار كلينت إيستوود وتشارلز برونسون، إضافة الى نجمي الأكشن خلال الثمانينيات سيلفستر ستالون وأرنولد شوارزنيجر.
تعد التحولات في شخصية ويليس من الانتقالات الأكثر حدة في تاريخ الثقافة الشعبية الأميركية، ومثال على ذلك دوره في فيلم الخيال العلمي “أرماجيدون” عام 1998 حين ظهر فيه وهو يعمل حفّار نفط عبوساً ساخراً.
أما في السنوات الأخيرة فقد ظهر تجسيد ويليس -القوي بدنياً وقليل الكلام- في أفلام قصيرة ورخيصة التكاليف على أشرطة الفيديو. ولم يستطع ويليس أثناء تصوير تلك الأفلام أن يتذكر النص وظهر مشوشاً ولا يعرف أين هو. وبدلاً من القبول بحقيقة العجز الواضح للممثل، اختار فريق عمله تقليل الوقت الذي يظهر فيه على الشاشة واختصار النص المطلوب منه الى أقل قدر ممكن ووضعوا له سماعة أذن لتذكيره بالنص أو قراءته بصوت مرتفع.
هذا التطور لدى ويليس من فنان رومانسي عذب الكلام الى شخص عاجز عن التواصل جعل إخفاء الاستغلال الذي تعرض اليه أكثر سهولة، وهي مفارقة حزينة لتراجعه في نهاية مسيرته الفنية. وتسبب نموذج تمثيله (قليل الكلام) الذي استمر عليه معظم حياته بأن يواجه المشاهدون صعوبة في رؤية وضعه الصحي الحالي.
كان ويليس خياراً مثالياً لأفلام الأكشن لأسباب عدة، منها مظهره القوي الطبيعي (على عكس منتفخي العضلات ستالون وأرنولد) والموثوقية التي اكتسبها في حل المشاكل بسرعة. لكن بروس ويليس بدأ تدريجيا بالابتعاد عن أدوار الأكشن المبتذلة كالتي جسدها في فيلم “داي هارد” باتجاه أدوار الرجل مفتول العضلات.
أسس ويليس لنفسه مكانة الممثل متعدد الأدوار في نهاية التسعينيات، الذي يستطيع التحول من ملاكم غريب الأطوار الى شخصية حساسة نفسياً، لكن ما أبقاه في القمة هي أدوار القاتل والفتى الخشن. لم يبدأ انحسار أدوار البطولة لدى ويليس إلا في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وتزامن ذلك مع ميله نحو التساهل في أدوار الرجل القوي. لكن مع مرور الزمن، بدأ المشاهدون يلحظون قيامه بالمزيد من الأدوار التي تستنزفه جسدياً، وشخصيات الشرطي أو الجندي المرتزق.
تكونت المرحلة الأخيرة من حياة ويليس الفنية من أدوار القتلة المأجورين ورجال العصابات والجنود والمسؤولين الرسميين قليلي الكلام. أصابته تلك الأعمال بأذى نفسي لأنه ظهر فيها بالكاد، مع أن شركات التسويق ضمنت ظهور اسمه وصورته بأكبر حجم ممكن على إعلانات تلك الأفلام لتبدو كأنها أفلام بروس ويليس.
امتلك ويليس مقومات النجاح، لكنه خسرها. وربما لن نعرف متى وكيف حصل ذلك، أو ما هي نسبة الخسارة التي تتحملها خيارات بروس ويليس وما هي الخسارة التي تتحملها تصرفات مستشاريه الذين لم يعطوا مصلحته الأولوية. هل تدهورت معايير ويليس الفنية ومن ثم بدأ يعاني إدراكياً؟ أم أن هذا التراجع بدأ منذ زمن بعيد، ما دفعه ودفع مساعديه لقبول أدوار غير متطلبة وضعاً جسدياً بالنسبة لممثل عاجز؟