بقايا نبوءات الحزن والفرح

137

محسن إبراهيم /

حين تُثقب ذاكرتنا بالحزن تهرب إلى زاوية وتنكفئ وحدها تلوذ بالصمت والرغبة بالبوح, لا شيء يفك طلاسمها غير صوت يعزف سمفونية الحزن الشجي, صوت يغني لك وعليك. في مملكة العشق السومري كانت الخطوة الأولى من رحلة الوجع الأبدي, تراتيل وغناء بقايا نبوءات الحزن والفرح والأوجاع، حين تستمع إليها تجد نفسك منصهراً في تفاصيلها..
غناء مثل شدو طائر سومري جسده من طين وبردي، أنين يسافر في شرايين القلب ويطير فوق جرح النعاس. في سن السابعة كان عودة فاضل غارقاً في بحَّة داخل حسن وبكائيات سلمان المنكوب وسيد محمد ووجع عبادي العماري، نشأ وقضى طفولته قبل أن ينتقل إلى العاصمة بغداد ويترعرع في مدينة الصدر ليواكب عمالقة الغناء الريفي في هذه المدينة, ينتقل بآلة العود من آهٍ إلى آه، ومع كل بيت أبوذية كان يرتل في معبد الروح، يبحر في الأحلام الغافية على قمة الانتظار, غناؤه مثل نهر ذكريات متدفق وحكايات غرام لا تنتهي، وحيداً يعانق الليل والأرض. عودة فاضل منذ أن لامست أصابعه أوجاع الوتر كان اللحن حاضراً, يستمع للجميع ويمنّي النفس أن يكون اسماً بارزاً وسط تلك الحناجر. بدأ حياته الفنية عازف عود في فرق غنائية، درس العلوم الموسيقية وبدأ العزف على العود منذ شبابه، ارتقى سلم النجاح في الغناء الريفي، لكنه كان يصنف نفسه كفنان استطاع أن يخرج بالأغنية الريفية العراقية خارج نطاقها المحدود، حين يغني يطرَب الآخرون لعذوبة صوته وجماله وقوته، حنجرته الفريدة المتلونة بطبقات صوتية عذبة أهلته لأن يتميز عن أقرانه فجعلت منه ظاهرة في الوسط الغنائي, حسه الفني وثقافته الموسيقية أينعا بأجمل الألحان. عقود من الزمن وعودة فاضل يواصل مسيرته الغنية بالإنجازات الفنية المتعددة، فهو مدرك لأصول الفن، مثقف فنياً، وصاحب خبرة ودراية في الغناء متعمق فيه، قدم كثيراً من الألحان الغنائية لنجوم الغناء العراقي، وأشهر الأغاني التي لحّنها (القلب ما مال للغير)، و(كل ما تغيب مسامحك) و(غريب انا) و(لا يا الولد). مازالت ألحانه تثير الدهشة عند متلقيها وتحفز ذاكرة الحنين، دهشتها في بساطتها وهويتها. نهل من الموسيقى العراقية وتجول في مقاماتها بعفوية وسلاسة مذهلتين. لا يعد عودة فاضل مجدداً في الأغنية الريفية حسب، بل صاحب أسلوب متفرد، أسلوب ميّزه ومكّنه من نقش بصمته في سجل الأغنية العراقية، لذا ستبقى ألحانه وأغانيه حيّة في ذاكرة الناس.
كمال محمد.. الرحيل الصامت
عرفه الناس من إطلالته المحببة إلى القلوب، غناؤه الطربي يرسم البسمة على الشفاه، ويغمر النفس بأمواج الأمل والتفاؤل بالحياة. حين يغني يدخل القلب دون استئذان، إن غنى أطرب، وخلق بإحساسه حالة فنية وبصمة فريدة، اقتنع بأهمية الفن وآمن بحلمه, حين يحاصرنا الشوق في كل طريق نهرب إليه لنحلق مع (معاتبين) و(ردي بينه) فهو يغني لك ويغني عليك.
الكتابة عن كمال محمد فيها شيء من الصعوبة، على الرغم من أن ما تركه من أغان لا يعد كثيراً، لكن كل أغنية تستحق أن نكتب عنها كتابة منفردة. صوته موسيقى قائمة بحد ذاتها، حين الاستماع إليه يتبادر إلى ذهنك السؤال؛ أهو صوت يغني أم نفس تغني أم روح تغني؟ هو كل ذلك لأنه يجمع بين جمال الصوت وإحساس النفس. ولد في مدينة الناصرية عام 1942، انتقل للدراسة في معهد المعلمين بمدينة بعقوبة في محافظة ديالى عام 1965، وتخرج فيه ليعمل في المجال التربوي مدة 30 عاماً. سجل طوال مسيرته الفنية 3 ألبومات غنائية، أحيى حفلات غنائية في الخليج وسوريا ومصر ودول أوروبية عدة. أهم ما يميز تجربة الفنان الراحل كمال محمد قدرته على الانتقاء عند اختيار كلمات الأغاني ثم اللحن وصولاً إلى طريقة الأداء، لذلك نجد أن أغلب الأغاني التي أداها كانت مختلفة تماماً عن فناني عصره.
كمال محمد رغم مسيرته الفنية القصيرة تمكن من أن يكون أحد أبرز الفنانين في ذي قار التي كانت تعج بكبار المطربين آنذاك, ذاع صيته سريعاً. كمال محمد الشاب القادم من جنوب العراق في المرحلة الذھبیة للأغنية العراقیة، بوجود عمالقة الغناء العراقي: فؤاد سالم وحسین نعمة وریاض أحمد ویاس خضر وسعدون جابر. استطاع أن يحتل موطئ قدم في ساحة الغناء العراقي بفضل ما يمتلكه من صوت ريفي دافئ مميز. بزغ نجمه في سماء الأغنیة العراقیة وغنى لكبار الملحنین. بدأ رحلته عام 1971 مع أغنية (معاتبين) من ألحان عبد الحسين السماوي وكلمات عبد الرضا اللامي، ثم توالت أغانيه مثل أغنية (ردي بينه) وهي من ألحان السماوي أيضاً، وأغنیة (یحاجي الناس) من كلمات جلیل ھادي العضاض، وأغنیة (لا أول ولا تالي) من كلمات الشاعر الراحل جبار الغزي وألحان محمد جواد أموري، وأغنیة (دللیني) كلمات الشاعر الراحل كاظم الركابي وألحان طالب القرغولي، وأغنیة (ما نامت اللیل), من ألحان الملحن محسن فرحان وكلمات الشاعر كریم راضي العماري. في عام 1978 قدم أغنيته الأخيرة (كلشي یهون) وكانت من ألحان عبد الحسین السماوي, ثم انسحب بهدوء وصمت ليرحل عن عالم الشهرة والأضواء.