بمناسبة الذكرى 64 لانطلاق بث تلفزيون العراق.. تاريخ وضّاء وسجل حافل

394

#خليك_بالبيت

إعداد: مجلة الشبكة العراقية /

هي سنون مضت تحمل بين طيّاتها ذكريات بالأبيض والأسود وأحلاماً ملونة. وعلى الرغم من تعدد قنوات البث الفضائي، إلا أن للتلفزيون عبقاً آخر واشتياقاً من نوع خاص، وتباهياً لأنه الأقدم بين تلفزيونات الشرق الأوسط.
“هنا تلفزيون بغداد”.. تلك الكلمات التي صدح بها المذيع محمد علي كريم جمعت الأسرة العراقية بحب لتنشدَّ إلى تلك الشاشة الفضية، وعبر 64 عاماً ما زال ذلك التلفزيون هو ملاذ العائلة العراقية متمثلاً الآن بشبكة الإعلام العراقي.
بداية القصة
لم يكن جهاز التلفزيون مألوفاً في الشرق الأوسط عموماً قبل عام 1956, وقبل ذلك التاريخ بعام واحد حضرت الشركة البريطانية (باي) للمشاركة في المعرض التجاري البريطاني في بغداد، وصادف أن كانت من بين معروضاتها مرسلة للبث التلفزيوني باللونين الأسود والأبيض مع ستديو صغير مجهز بلوازم التصوير وعدد من (أجهزة التلفزيون) التي أصابت العراقيين بالدهشة، إذ لم يسمعوا بذلك الاختراع من قبل. وقررت الشركة البريطانية، وبعد انتهاء المعرض، أن تهدي تلك المعدات إلى حكومة العراق الملكية. وفي الثاني من أيار، وفي ذكرى ميلاد الملك، وفي ساحة من ساحات دار الإذاعة، نصبت أجهزة التلفاز في (البنكلة)، وافتتح الملك فيصل الثاني البث التفازي ليصبح العراق أول دولة في الشرق الأوسط تمتلك محطة تلفازية. وكان البث في بادئ الأمر لمدة أربع ساعات، واقتصر على الأخبار والموسيقى وعرض المسلسلات الأجنبية مثل مسلسل (روبن هود) ومسلسل (مونتكرستو) وأغاني عفيفة اسكندر وناظم الغزالي ويوسف عمر، وكان أول مدير لتلفزيون العراق هو الأستاذ عدنان أحمد راسم النعيمي، الحاصل على شهادة الدبلوم في السمعية والبصرية وماجستير في التربية الفنية من جامعة إنديانا الأميركية.
البث الاول
(محمد علي كريم) هو أول مذيع ظهر على شاشة تلفزيون بغداد، وقد قال عند ظهوره على الشاشة: “هنا محطة تلفزيون بغداد تبث على القناة (8) أول محطة في الشرق الأوسط”. استمر البث التلفزيوني في حينها حتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وتضمن منهاج اليوم الأول بث مدة برامجية مسائية تضمنت عدداً من البرامج المختلفة شملت حفل افتتاح المحطة التلفزيونية وفيلماً إخبارياً عن العراق وألعاباً رياضية وفيلماً عن افتتاح مشروع الثرثار وآخر عن المعرض التجاري البريطاني ثم نشرة الأخبار وحفلة غنائية موسيقية شارك في إحيائها الفنان ناظم الغزالي والفنانة عفيفة اسكندر وفرقة الإذاعة الموسيقية، وكان وقت البث لا يتجاوز الأربع ساعات، وأخرجها المخرج الأميركي (FanzHeelek) الذي قام بعدها بتدريب عدد من المخرجين منهم خليل شوقي وكاميران حسني ويوسف جرجيس، واستمر البث بالأبيض والأسود لحين بدء البث التلفزيوني الملون عام 1976 باتباع نظام سيكام الفرنسي.
شخصيات مؤثرة
كانت جميع البرامج والمسلسلات تبث مباشرة لعدم وجود أجهزة التسجيل الصوري ضمن معدات التلفزيون حتى عام 1964. ومن البرامج التي كان لها تأثير على المشاهدين ودام عرضها عقوداً من السنين برنامجان؛ الأول هو (العلم للجميع) الذي كان يعده ويقدمه الأستاذ كامل الدباغ (رحمه الله) والذي بدأ عرضه بالتلفزيون عام 1960، والثاني هو (الرياضة في أسبوع) الذي عرضت في التلفزيون أولى حلقاته عام 1963 من إعداد وتقديم الأستاذ مؤيد البدري. استمر تقديم البرنامجين ثلاثة عقود، ثم توقف السيد الدباغ عن تقديم برنامجه (العلم للجميع) بناء على طلبه، وكذلك فعل الأستاذ مؤيد البدري لاحقاً. ومن البرامج الأخرى المهمة في مسيرة التلفزيون برنامج (ركن الهواة) الذي كان يعدّه ويقدمه المخرج كمال عاكف، وأهميته تأتي من أن أغلب الأصوات التي شاركت فيه أصبحت مؤثرة في الوسط الغنائي في السبعينيات ومنهم: حسين السعدي، وفاضل عواد، وسعدون جابر، وغيرهم.
وللسينما كان هناك برنامج (السينما والناس) الذي كان يعدّه علي زين العابدين وتقدمه اعتقال الطائي، وكان يعرض الأفلام العالمية ويناقش فكرتها باستضافة أحد المهتمين بالسينما. كانت للمقابلات مع الشخصيات العراقية أو العربية حصّة في برامج التلفزيون، إذ قدمت السيدة ابتسام عبد الله برنامج (سيرة وذكريات)، وكان يعتمد بشكل رئيس على الشخصية المستضافة ودورها. أما المنوعات فكانت في برنامج (عدسة الفن) الذي كان يعدّه خالد ناجي وقدمه أولاً سامي السراج ثم خيرية حبيب.
دراما وغناء
فضلاً عن البرامج التي كنت تعرض على شاشة التلفزيون، كان هناك الكثير من التمثيليات التي تقدم أسبوعياً كـ(العرضحالجي) لرضا الشاطي و(فتاح فال) لفرقة الزبانية التي كان يرأسها ناجي الراوي و(القصخون) و(حكايات زعتر الهوا) لخليل الرفاعي و(تحت موس الحلاق) لسليم البصري وحمودي الحارثي.
وللموسيقى والغناء كانت هناك حصة، إذ تقدَّم يومياً ما بين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة مساءً حفلة غنائية لأحد المطربين أو المطربات (يحيى حمدي ورضا علي وأحمد الخليل ومحمود عبد الحميد ومحمد عبد المحسن وجميل قشطة وجميل جرجيس وعباس جميل وهيفاء حسين ومائدة نزهت ولميعة توفيق ووحيدة خليل وأحلام وهبي وغيرهم)، أو أحد مطربي أو مطربات الريف (داخل حسن وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم وعبد الجبار الدراجي وجواد وادي وعبد الواحد جمعة وعبد الصاحب شرّاد وغيرهم).
أحداث مؤثرة
مر تلفزيون العراق بأحداث مؤثرة عدة، ربما لم يألفها المشاهد العراقي من قبل، ففي مساء يوم 9 شباط 1963 عرض التلفزيون فيلماً عن تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بالزعيم عبد الكريم قاسم والضباط الذين بقوا معه في ستوديو الأغاني بدار الإذاعة، وهذه هي المرة الأولى التي يشاهد فيها العراقيون عملية إعدام تبث عبر شاشة التلفاز. وفي عام 2003 حين سقوط النظام البائد تعرّض مبنى التلفزيون إلى عملية نهب وحرق ممنهجة، فسُرق الآرشيف التلفزيوني وحرق ما تبقى منه، وقد تولّت شبكة الإعلام العراقي مسؤولية البحث عن الآرشيف المفقود واسترداده عبر خطوات عدة تكللت بالنجاح.