بين رحى النسيان الغناء الريفي أنموذجاً

492

محسن إبراهيم /

حيث ولدت القيثارة الأولى والعود الأول في مملكة العشق السومري، كانت الخطوة الأولى من رحلة الوجع الأبدي.. تراتيل وغناء بقايا نبوءات الحزن والفرح والأوجاع، حين تستمع إليها تجد نفسك منصهراً في تفاصيلها، غناء مثل طائر سومري جسده من طين وبردي يحلق فوق جبين الغيوم الزرق، ينساب على صفحة الماء الممتدة على ضفاف الأهوار، أنين يسافر في شرايين القلب ويطير فوق جرح النعاس ليستقر على هضبة الروح، يتوغل في مساراتها، يحلق بها إلى عوالم أخرى، في بحَّة داخل حسن وبكائيات سلمان المنكوب وسيد محمد ووجع عبادي العماري، من آه إلى آه ينتقل الشجن عبر نايات القصب وأنين الأهوار ومشاحيف الطور التي تتهادى مع كل بيت أبوذية يرتل في معبد الروح، يبحر في الأحلام الغافية على قمة الانتظار مرددة” يا ويلي”.
غناء مثل نهر ذكريات متدفق، وحكايات غرام لا تنتهي، وحيداً يعانق الليل والأرض، حلم ضرير على امتداد الضوء يباركه الحزن على قيثارة الألم، غناء بات في رحى النسيان بعد أن تهاوى رواده كورقة خريف من شجرة الزمن. كانوا هنا يرسمون قصر دفء لأوجاع الذاكرة والروح، لا أحد الآن إلا غناء قصبة قديمة و(كمنجة) فالح حسن تنادم آخر صوت (يا حضيري بطل النوح ترى نوحك كتلني).
الأطوار الريفية
كان قدر هذا النوع من الغناء أن يلفه الحزن والبكاء منذ نشأته، إذ عاش وترعرع في بيئة عانت ما عانت من ظلم وجور، البعد والفراق والهجر كانت المنبع الأساس لصياغة الأبوذية وسمفونية الوجع التي تنشدها حناجر القصب لتستنطق فيها الصمت وترسم سيريالية الألم، أطوار تأخذك إلى حزنها بأنغام تلامس أول غيمة عشق لا مستقر لها إلا قيثارة حزن تبكي بهدوء شمسها الغائبة خلف البردي والقصب، تتوسلها ألّا ترحل كما يتوسل المغني محبوبه في مواويله. ابتكرت تلك الحناجر طورها الغنائي الخاص لتعبر عمّا في خلجات النفس، سميت تلك الأطوار نسبة إلى مغنيها مثل: طور العنيسي، والأميري (الظفيري)، والجادري، وطور الزايري، والطويرجاوي، والمشموم، والمحبوب، والحميدي، ومسعود العمارتلي، والجبهاني، والنوري، والعياش، والسرحاني، والعبودي، والصيهودي، وشويشة الحادي، وعيسى حويلة، وجويسم وكريري، وجبير الكون (النجفي)، والمثكل ( المثجل)، وجعفوري، وسلمان المنكوب، او نسبة إلى أسماء العشائر والقبائل مثل طور المحمداوي والصبّي، والغافلي والسويطي، والحليوي، والعلوانية، والعراكي، أو نسبة إلى أسماء المدن مثل طور الشطراوي، والحيّاوي، والمجراوي، والسوكاوي والونين والساعدية، ولكل طور من هذه الأطوار أداء روحي وتركيز يختلف عن المقامات العربية المعروفة.
مدارس غنائية
ربما انحصرت مدارس الغناء الريفي في محافظتين من محافظات الجنوب هما ميسان والناصرية، مدارس تخرجت فيها قمم الغناء الريفي. يتميز غناء مدرسة ميسان بالأسى والحزن، ولم يغنِّ مطربوها الأبوذية إنما اقتصر غناؤهم على أداء البستات فقط. المحمداوي هو أبرز الأطوار التي تميزت به هذه المدينة، وحريب العمارتلي ومسعود العمارتلي هما أشهر من أدى هذا الطور. وبعد ظهور التسجيلات الصوتية بادر مطربو ميسان بغناء الأبوذية. ومن أبرز مطربي ميسان جويسم كاظم وكريري وسيد فالح وسيد محمد وسلمان المنكوب وفرج وهاب وعبادي العماري ونسيم عودة.
أما مدرسة الناصرية فامتاز مطربوها بدقة المعنى وأسلوب المحاكاة، فضلاً عن تأثرها بغناء الفرات الأوسط لأن غالبية شعرائها ذوو علاقات حميمة مع شعراء الفرات، واشتهرت مدرسة الناصرية بغناء الموال ومربع الناصرية، ومن هذه المدرسة برز حضيري أبو عزيز وداخل حسن وناصر حكيم وشخير سلطان وجبار ونيســة.
أغنية تستغيث!
بتاريخ مليء بالأحداث والوجع والحروب والهجرة كان الغناء الريفي خير شاهد وممثل لتلك الأحداث، ومنذ بدايته التي ليس لها حد معين، كان هذا الغناء مترجماً للحياة بكل تفاصيلها، وقد مر الغناء الريفي بمراحل عدة، فمنذ قرون كان مجرد أغنية تتداولها الحناجر في أهوار العراق، وبعد الاحتلال البريطاني ودخول أجهزة التسجيل الصوتي، انتشر هذا الغناء في ربوع العراق ولم يعد مجرد أغنية بسيطة تتعامل في حدود معينة، تعرض للتشويه والإقصاء طويلاً حتى بات يعاني الإهمال بين رحى النسيان، ربما هناك صوت ما يطير كطائر سومري يحمل قيثارة حزنه ليطلق صرخة عسى أن يسمعها المهتمون بهذا اللون ليعيدوا له هيبته ورونقه.