ثورة 14 تموز وثائقياً

61

حسن جوان /

تتصف معظم المنعطفات التاريخية في العراق بالطابع الإشكالي، وينشطر الرأي العام فيها إلى فريق مع، وفريق ضد، وإلى متحمّس ومناهض، فينعكس هذا التضاد النافر في وثائقية الرواية، وحتى في سرد واقعةٍ بعينها.
هذا ما يحصل دائماً عندما يتعلق الأمر بحدث غيَّر مجرى تاريخ العراق الحديث ممثلاً في ثورة 14 تموز التي أطاحت بالحكم الملكي في العراق وقادتها ثلّة من الضباط الأحرار بشكل مباغت ليعلنوا، ليس فقط ولادة الجمهورية العراقية، بل بداية مراحل لاحقة جعلت من العراق مادة لا تنتهي من الكلام والحوادث وما يوازي كل ذلك من نتائج وتأثيرات اجتماعية وسياسية وثقافية.
تنوع الوثيقة وعدم حيادها
لكن، بعيداً عن الجدل السياسي المباشر وما سال على جوانبه من دم واصطراع وحشي واكب أو أعقب الثورة، هل يمكن لنا تعقب المحتوى الوثائقي الصوري الذي سجل ظروف تلك النقلة الكبيرة من تاريخ بلد مركزي مثل العراق؟ وكيف تباينت تلك المحتويات باعتبارها سرديات تهيمن على الصورة وتمرر وجهات نظر طرف معين يحاول أن يكتب التاريخ بصيغة المنتصر أو الخاسر أو الممتعض؟
من خلال مشاهدة عشرات الأفلام الوثائقية، وقراءة أكبر عدد ممكن من مقالات كتبت وما تزال تُكتب عن ثورة الزعيم عبد الكريم قاسم، أيقونة الثورة ورمزها، نجد نثاراً من الآراء ما زال ينضح بذات الحرارة من التعاطف أو النقمة منذ ستين عاماً حتى يومنا هذا. تكفي أحياناً كبسة زر الحاسوب تحت عنوان “ثورة تموز” لتظهر أمامك أشرطة طويلة ومقاطع تنضح منها سريعاً توظيفات هذه التوليفة أو تلك، ولاسيما أن غالب الشرائط مصحوبة بتعليقات مضافة لا تنسجم مع طبيعة الشريط الصوري بقدر ما هي مصرة على تمرير خطاب محدد لوجهة نظر صانع الشريط أو منتجه على حسب طروحاته السياسية أو العاطفية الأخرى، بغض النظر عمّا إذا كان هذا التعليق يحمل تصورات إيجابية أم سلبية. فالحكاية وثائقياً لم تروَ بعدُ بكل حيثياتها وسياقاتها ومآلاتها وشخوصها. هي نثار من قصص عاطفية أو ثورية غاضبة أو منتصرة يحتجب أمام عصفها نصف الحقيقة الآخر أو أكثر من ذلك.
إعلام مضاد
الخيبة التي تكبدها الإنكليز وجمال عبد الناصر والأسر الملكية الأخرى أحاطت شخص الزعيم بسياج من العداء الإعلامي، وشنت حرباً ضارية كانت سبباً، لا في اغتيال الزعيم فحسب، بل أطاحت بمجمل الثورة في الحقيقة وبمنجزاتها، فكان أن تحولت تلك المنجزات إلى وبال وعقاب وتشويه لكل المشاريع التي بدأها عبد الكريم وفريقه القريب، وتعرضت للإهمال والتراجع الواضح من لدن من أتوا بعده، ليضيفوا شتائم أخرى لقائد الثورة الذي ارتجل بجرأة قرارات حطمت الطبقيات وأعادت توزيع الثروة والمكان والمشاريع. المكائن الإعلامية ذات الخبرات الكبيرة آنذاك بمراكزها المهيمنة والمؤثرة في صناعة الرأي العام خارج العراق وداخلها واصلت بثها المضاد ووظفت دعائياتها الصورية للنيل من هذه الثورة التي بعثرت حسابات حماة الملكية من استعماريين أو ممن اعترف بها أو ساندها في البدء على أمل الاستحواذ عليها وعلى العراق مثل عبد الناصر وإذاعته الصارخة “صوت العرب.”
ثورة الفقراء
لا يمكن استذكار ثورة الرابع عشر من تموز دون أن تستدعي الأذهان صورة الزعيم عبد الكريم قاسم، أبي الفقراء ومشيِّد المساكن وصانع مئات المشاريع، صاحب وصية “الصورة الصغيرة وشنكة الخبز الكبيرة”، الشخصية المؤسطرة فيما بعد، والمروي عن مواقفه وزهده واقترانه عشرات الأحاديث الشعبية والمرويات التي يتوارثها الأبناء عن الآباء كأمثلة وطرائف ومآثر للزعيم الذي كان غريباً عن تاريخ بلد لم تكن لأبنائه الحقيقيين حصة فيه، تسيطر عليه عائلات برجوازية وإقطاع ومصالح تدار من غرفة المندوب البريطاني، صار أبناء البلد يسكنون فيه ولا يكادون يقاربون منزلة الأقنان، رازحين تحت نير الجهل والجوع وسوط الجلاد. وسواء أصورت الأفلام والأقلام هوامش كثيرة وأخطاء لهذا الحدث الجلل من تاريخ العراق أم لم تفعل، إلا أن هذا الحدث لم يكتمل ليقول كامل كلمته، بل انتهى إلى الأبد قبل أن يتم عامه الخامس من الحرية والانتماء لوطن مستقل بالمعنى الكامل، ليعود بعدها مرتكساً على أيدي طغم متتالية وحدها تستحق اللعن على ما قامت به حين عاثت في الدم الوطني وفرطت في الأرض والثروة، ولم يفُتها أن تحرّف وثائق الكلمة والصورة على مدى عقود.