جبيّر آل كون.. الشجن عندما يتفجر ابداعاً

18

عادل مكي /

على أحد سواتر الحرب عام 1984 جمعتني الصدفة بثلة من شباب مدن الجنوب التي تتمتع بكل خصال الاصالة، وعندما يخيم ظلام الليل الحالك نجتمع عند أحد السواتر في ملجأ يضم في ثناياه أقداح الشاي وسكائر سومر وأحاديث عن الشعر والدارمي والازهيري والنصاري وعلى صوت رنة أقداح الشاي، يقوم فالح آل جابر ابن الديوانية الحبيبة حيث تضاف ال التعريف لأسمائهم وأسماء آبائهم، وتلك سمة متعارف عليها هناك بالنقر عليها، فيقوم بالغناء الشجي تارة بطور الغافلي وتارة بطور المحمداوي وتارة أخرى بطور جديد لم تكن مسامعي قد الفت هذا الطور الذي يقطع نياط القلب لما حمله من شجن لا يدانيه شجن وعذوبة ساحرة لا يمكن وصفها.
صعقت ماهذا الطور يا فالح؟ فقال هذا الطور يسمى عندنا طور جبير ال كون، لم أذكر أن أحداً من مطربي الريف العراقي كان قد غناه من قبل، فهو طور جديد سمّي باسم صاحبه الذي يقال إنه عشق امرأة حد الجنون لكنها لم تفِ بوعدها في الاقتران به، فمرض هذا العاشق المتيّم وصار طريح فراش المشافي ولأنه يمتلك صوتا جميلا يفيض عذوبة وحزنا كبيرا استل في إحدى الليالي لحظات من عمره الذي أوشك على النهاية الاخيرة أن يغني لمن أحبها، لعلها تسمع هذا الشجن واتفق مع زميل له أن يوفر له مسجل كاسيت صغيرا كي يقوم بتوثيق قصته بطوره الذي أدهش الدنيا بعد رحيله المبكر طور جبير ال كون.
وفعلا تم له ما أراد فغنى بأجمل ما يكون وبدون أي آلة موسيقية سوى “صينية الشاي” التي رافقته، عزف عليها صديقه الذي جلب له ذلك المسجل الصوتي الصغير.
وهذا الطور الغنائي يغني على مقام صبا زمزم وليس كما أشيع أنه طور النجفي، المشكلة كانت أن هذا الطور لم يصل الى أسماع العديد من مطربي الريف ولم يعتادوا عليه، حاولت بجهد جهيد أن اسجّل هذا الطور من خلال أداء زميلي الذي أطربنا به، كونه من مدينة الديوانية ناحية غماس؛ تلك المدينة التي تشتهر بزراعة العنبر وأداء طور جبير.
المهم أقنعته وقام بتسجيل ثلاث او أربع ابوذيات لي على شريط كاسيت، فرحت فرحا كبيرا كوني سأجلب هذا الطور الى مدينة بغداد التي تعج بالكثير من مطربي الريف، المهم أوصلت الشريط لأحد المطربين المقربين فسمعه واندهش وقام بغنائه مع إضافة بعض التعديلات وبعد مرور أكثر من سنة وصل هذا الطور الغنائي الشجي الى معظم مطربي الريف، فتهافت عليهم أصحاب التسجيلات الصوتية، مطالبين بالمزيد منه كونه أصبح مطلوبا من الناس وغناه معظمهم بجدارة، مثل الفنان رعد الناصري وعقيل موسى وآخرين وهكذا أصبح طور جبير ال كون طورا عراقيا يضاف الى باقي أطوار الغناء الريفي التي أحبها الناس لأنها تلامس القلوب التواقة لسماع هذا الطرب الريفي العراقي الاصيل.