جلال خوري رائد المسرح السياسي يترجّل عن خشبة المسرح اللبناني

450

جبار عودة الخطاط /

أسدل الستار مساء يوم السبت 2 كانون الأول 2017 على حياة المخرج والكاتب المسرحي المعروف جلال خوري، الذي يعد رائد المسرح السياسي في لبنان، فعن عمر ناهز الـ 83 عاماً توقف قلب خوري بعد مسيرة زاخرة بالعطاء، بدأها ممثلاً هاوياً باللغة الفرنسية على خشبة المركز الجامعي للدراسات المسرحية، مطلع الستينات، قبل أن يطلق كتاباته المسرحية، وتكون لها الأصداء الواسعة.

المسرح واستلهام الواقع

اختط خوري لنفسه فلسفة مفادها تلازم المسارين الاجتماعي والسياسي ليصهرها في بوتقة مسرحية تعتقد أن المسرح والحياة توأمان، فكلاهما عملية خلق وبعث ووجود، وكلاهما يتعاطى مع الإنسان كمادة أساسية لصيرورة الحقيقة التي يتوخاها الجميع، ومع مشاكل الإنسان إبعادياً، كما أن الرمز في المسرح هو تفريغ الواقع من مضامينه والواقعية هي ضد الرمزية بالمطلق، كما اعتقد خوري. فالإنسان البسيط أو ابن المدينة يحتاج الى المسرح ولا غنى عنه، لأنه يعيد إليه الواقع، ولو بطريقة جزئية، وهو (أي رجل المدينة) يشعر بتعطش للثقافة والمسرح، وإن لم تحالفه الظروف لتحصيل مقدار معتد من التعليم، بل أن خوري يعتقد أن المسرح مجال تعليمي لا يستهان به لمن فاتته فرصة التعليم المدرسي.

مسيرة مسرحية حافلة

الفنان والكاتب خوري لفت الأنظار إليه بعدما ترجم شغفه المسرحي الى نصوص مسرحية مدوية، كانت علامات فارقة في تأريخ المسرح اللبناني ليطلق أولى مسرحياته المكتوبة (ويزمانو، بن غوري وشركاه) عام 1968، بعدها نصه (جحا في القرى الأمامية) في عام 1971، وتوالت أعماله التي سجلت بصماتها الواضحة على خشبة المسرح، من خلال خطها الذي استقى مقوماته من الواقع وتمظهراته، التي تقدم بعيداً عن شفرات الترميز ليحولها الى مسرح ملتزم لا يمكن تجاوز محطاته المضيئة، ومنها (فخامة الرئيس)، و(يا ظريف أنا كيف)، و(هندية، راهبة العشق)، و(الطريق إلى قانا)، و(خذني بحلمك مستر فرويد)، المسرحية التي أثارت جدلاً واسعاً في حينها عبر معالجتها لجدلية العلاقة بين الرجل والمرأة من خلال صياغة درامية اعتمدت محاكمة اخناتون وفكرة التوحيد.

شهرة عالمية واسعة

مسرحيات خوري نالت شهرة عالمية بعد أن وجدت طريقها في الترجمة إلى الكثير من اللغات كاللغة الألمانية، والفرنسية والإنجليزية، والفارسية، واكتسب من خلالها شهرة كبيرة باعتباره رائداً للمسرح السياسي في لبنان الذي عاش عصره الذهبي في ستينات القرن المنصرم، وقد تم الاحتفاء بتلك المسرحيات نظراً لما تتسم به من مضامين عالية المستوى.

خوري قدم آخر عمل مسرحي له بعنوان (شكسبير إن حكى) العام 2016 حيث استحضر في موضوعته تسع شخصيات من مسرح وليام شكسبير، قارب عبرها محطات أساسية في التاريخ اللبناني.

غياب لا يعوض

الأوساط الثقافية والإعلامية في لبنان عبرت عن عميق حزنها لرحيل جلال خوري وعدّته خسارة كبيرة لا تعوض، فقد نعى وزير الإعلام اللبناني ملحم الرياشي في تغريده على تويتر الراحل كتب فيها: “غاب جلال المسرح اللبناني.”

أما وزير الثقافة اللبناني غطاس خوري فكتب معزياً بوفاة خوري قائلاً: “برحيل الفنان جلال خوري تفقد الساحة الثقافية ركناً كبيراً من أركانها ورائداً من روادها، ترك بصمة ستبقى في ذاكرة كل من عاصر جلال خوري أستاذ المسرح المثقف الذي يعتبر أول كاتب مسرحي تُرجمت أعماله إلى اللغات الأجنبية، وأستاذ مادة المسرح في أكثر من جامعة.”

الناقد والإعلامي بيار أبي صعب مدير تحرير جريدة الأخبار اللبنانية قال “جلال خوري مثّل ضمير المسرح السياسي الملتزم الذي انحاز الى قضايا وطنه وسخّر فنه ضد كل الأشياء التي يمكن أن تسيء إليها مثل التطبيع مع إسرائيل وغيرها.”

أما الكاتب والناقد المسرحي عبيدو باشا فعلق على رحيل خوري قائلاً: “لن يرى الناس تلك الأيام مرة أخرى، حينما اجتاز المسرح ومضاته الكبرى مع المؤسسين، لقد غاب ريمون جبارة ومنير أبو دبس، واليوم، غاب جلال خوري، شمعة ضائعة أخرى أخذها النعاس إلى النوم إلى الأبد.”

الأستاذ الأكاديمي

فضلاً عن الجانب الإبداعي لخوري فإن له إسهاماً في الحياة الأكاديمية للفن، فكان الأستاذ والمثقف العضوي الذي يجتهد في إيصال المعلومة الرصينة في معهد الدراسات المسرحية، وفي الكلية السمعية المرئية والسينمائية في جامعة القديس يوسف في بيروت، وشغل أيضاً رئيس اللجنة الدائمة للعالم الثالث في مؤسسة المسرح التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

أبرز المسرحيات التي كتبها:

(ويزمانو، بن غوري وشركاه) … عام1968، و (جحا في القرى الأمامية) عام1971، و (الرفيق سجعان) عام1974، و (كذاب… أو محاورات شاهين) عام1982، و (فخامة الرئيس) عام1988، و (يا ظريف أنا كيف) عام1992، و (رزق الله يا بيروت) … عام1994، و (هنديّة، راهبة العشق) عام1999، و(الطريق إلى قــانــا) عام2006، و(رحلة مُحتار إلى شرْي نَغار) عام2010، و (شكسبير إن حكى) عام 2016.