جميل بشير : خلق لغة موسيقية عراقية ودوّن التراث

660

احمد المختار/
استطاع جميل بشير، عازف العود الفذ والمؤلف الموسيقي الصادق مع نفسه وفنه، أن يقدم لونا فنيا متميزا معتمدا على المقامات العراقية وإيقاعاتها مكتنزا في تصوراته التأليفية الكثير من اسلوب استاذه الشريف محي الدين حيدر متخلياً عن بعضها ذات التأثيرات التركية،
لكي يخلق لهجة موسيقية عراقية صافية وهذا يتضح جلياً في مؤلفاته مثل (عيناك- وأيام زمان) وتقاسيم على بعض المقامات العراقية مثل تقاسيم مقام (اللامي) العراقي حيث قدمه للجمهور التركي أول مرة في الخمسينات وقد اثنى عليه حينها عازفون اتراك كبار، كما قدم عروضا في مصر وسوريا ولبنان حيث لاقى الأعجاب والإشادة بالتفرد من قبل اغلب الموسيقيين.
براعة في التأليف
تركز أسلوب جميل بشير على الملامح الموسيقية العراقية الاصيلة وجذورها التقليدية واظهر براعة الاتقان الفني في التأليف الموسيقي صعب المراس الذي امتلك ناصيته فضلا عن روعة الجمل الموسيقية ورونق وسلامة الذوق فيها، بكلمة أخرى جانس أو زاوج بين الروح والتقنية بشكل عال لم يصله غيره، أي من عازفي المدرسة العراقية التي تعد الأهم بين مدارس العود في العالم، الأمر الذي أسهم بارتقاء جميل بشير كعازف ومؤلف لم يستغل السياسة والولاء كطريق للوصول، وهذا ما جعل فنه وموسيقاه وسائل وحيدة لتحقيق أهدافه.
اهتم جميل بشير في الحفاظ على الموروث العراقي الموسيقي عن طريق تدوين الأغاني التراثية والمقدمات الموسيقية في المقام العراقي ووضع بعضاً من تلك المقدمات أيضا، كما حاول دراسة العلوم التي لم يتسن له الإطلاع عليها لدى الشريف حيدر، فركز على المقام العراقي والإيقاعات العراقية ولكن لم نجد تأثيرات أو توظيفا للألوان الموسيقية العراقية الأخرى مثل الأطوار الريفية والغناء البدوي، وهذا ينعكس على آلة الكمان ايضا حيث جمع في عزفِه البارع على هذه آلة بين إحساس العزف الشرقي وتقنية العزف الغربي مُضيفاً إليهما استيعاب الموروث النغمي من المقام العراقي.

المزج بين التقنيات الغربية والشرقية
مزج جميل بشير بين التقنية الغربية التي وفرتها له فرصة دراسة آلة الكمان من جهة وبين شرقية عالية اكتسبها كونه موسيقيا عراقيا يجيد اغلب الألوان الشرقية من جهة أخرى وما كان يميز جيل جميل بشير الموسيقي هي الغزارة في التأليف ولكن جميل كان فريدا في تأليفه عارفا بشروط التأليف والقدرة العالية على الاداء والانجاز المتقن.
حافظ على نقاء الريشة وتقنية النغم حتى في اصعب الجمل في الاداء والسرعة وكانت نقاوة العزف لدى جميل بشير في حالة السرعة الفائقة لا تشكل ادغاما في النغمات أو تشويها لها.
وعبر الشريف محي حيدر في عام 1941 عن تفضيله الواضح لأفضل طالب بارع لديه بإهدائه عوده الخاص وهي هدية عظيمة ذات دلالات ومغزى وتشير الى خلافة جميل بشير لأستاذه الشريف محي الدين حيدر. وبقي جميل بشير تلميذا نجيبا لأستاذه من خلال تطبيقه لتعاليمه على آلة العود في المنهج والتمرين وبنفس الوقت استاذا كبيرا بخروجه لاحقاً عن ذلك الاسلوب ليصوغ له اسلوبا عراقيا خالصاً.