حسين الأعظمي يؤرخ لفن المقام ونجومه

537

جواد وادي/

ازدانت المكتبة الموسيقية العربية والعراقية بإشراقة جديدة تضاف إلى مثابرة الفنان المبدع حسين الأعظمي، وسعيه الحثيث والجاد لتوثيق وجدان الشعب العراقي متمثلا بفن المقام العراقي، أحد بوابات العراق الإبداعية المتعددة المشارب والثراء من خلال إصدار جديد للأعظمي عن المقام العراقي.

اجابات

كتاب الفنان الأعظمي الموسوم (المقام العراقي بين طريقتين) (دراسة موسيقية لفترة الصراع خلال القرن العشرين)
أول ما لفت انتباهي في عنوان المؤلَف الجديد كلمة (صراع)، لنشدد عليها لمعرفة ذلك الصراع من خلال الغوص في متون الكتاب للتوصل إلى الإجابة لاحقا.

الكتاب من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر اللبنانية، بغلاف جميل من إنجاز الفنان (زهير أبو شايب). تتصدر الكتاب صورتان لبغداد القديمة، من ذلك الزمن الجميل (للجسر الخشبي العتيق)، جسر الأئمة حاليا، الذي يربط الأعظمية بالكاظمية.

هذه إنتباهة فاطنة وذات مغزى، هي بمثابة رسالة لكل العراقيين وغيرهم، بأن العراق موحد، وقلوب العراقيين سواق نقية تلتقي على المحبة والتآخي، وفن المقام موضوع البحث هو الوشيجة الوجدانية التي توحّد القلوب، وتصفّي النوايا والمشاعر الوطنية، بنوازع إنسانية جيّاشة. وهنا أرى أن الكاتب الأعظمي، من صدق إنتمائه ونباهته، أثّث مدخلا عراقيا، وبوابة وطنية، للولوج في حضرة فنهم، قنطرة وطنية صادقة. وكأني به يريد أن يقول بأن فن المقام بإمكانه أن يكون عنصر توحّد وتقارب بين العراقيين، أبلغ وأكثر عمقا مما يصدر من السياسيين من فرقة وتشرذم، لأن أمر هؤلاء لا يعنينا، بقدر ما يعنينا التقارب العراقي ـ العراقي في خيمة عراقية تجمعنا في محبة الوطن والتفاني من أجله، فتحية لهذا التوظيف الرائع.

التمرد ضد التقاليد

إن الصراع، الذي احتدم بين طرق الأداء الغناسيقي، وبدأ يشتد في العقد الثلاثيني تقريبا من القرن العشرين، هو – بصورة أو بأخرى- تغير أو تطور حقبة ثقافية، وهو بالتالي تمرد ضد التقاليد التي تكاد تكون ثابتة تماما، يطغى عليها الركود، مع أنها مقبولة اجتماعيا! هذه الدراما الجديدة في الغناء المقامي، التي ميّزت النصف الأول من القرن العشرين، أو القرن برمته، تبدأ بزعزعة التقاليد القديمة لتبني أسسا جديدة مستقبلية… وكذلك هي استجابة لتصحيح الأخطاء العفوية الموروثة الموجودة في التراث عموما).

يتبين لنا إذن أن المقام الذي وصلنا الآن ليس هو السائد بتفاصيله في ثلاثينات القرن الماضي، بل أنه مر بمراحل تشذيب وإضافات وإنزياحات مهمة خضعت لاجتهادات وحدّت الرؤيا وجعلت المقام يساير التطور من دون المساس بجوهره، بل بطرق أدائه، وهذه المعلومة قد تكون غائبة عن العديد من المتابعين وعشاق المقام.

محطات

المتعة المضافة لقراءة هذا البحث كثرة الصور التي اجتهد الفنان الأعظمي كثيرا لتجميعها وأرشفتها، وهي تؤرخ لمحطات عامة مر بها المقام العراقي، بقرائه، وعازفيه، ومريديه، من نقاد وإعلاميين راصدين له بحضورهم الدائم جلسات غنائية عديدة.

في الباب الأول / الفصل الأول

نقرأ المحاور التالية:

الصراع بين الطريقتين (وهما الطريقة القندرجية والطريقة القبانجية)
(في هذا المحور يقول الباحث “إن المنظور الجديد الذي يتيحه لنا الغناء المقامي والنقد الحديث والمعاصر، يسمح لنا في المقابل، الاعتراف بعبقرية مغني مقام تمسك بالأصول التاريخية وحافظ بكل قوة على محلية هذا الكيان، أو بالأحرى على هوية هذا الكيان الغناسيقي التراثي)

رائد المقام

الباب الثاني من الكتاب مكرس كله لقارئ المقام المعروف عبد الهادي البياتي (1911-1974) رائد الغناء المقامي الأصولي، يستهله بقصيدة الكبير مصطفى جمال الدين الرائية الشهيرة:

بغدادُ ما اشتبكتْ عليك الأعصرُ***** إلاّ ذوتْ ووريقُ عمركِ أخضرُ

وهي أجمل ما قيل بوصف بغداد حاضرة الدنيا ومؤول الباحثين عن الدفء الإنساني العابق. فكان اختيارا موفقا للغاية من مبدعنا حسين الأعظمي.

أهم المقامات

أما الفصل الثالث فقد خصصه الكاتب (لرائد المقام الرومانسي) حسن خيوكة (1912ـ 1962) الفنان الذي (عاش كل حياته فقيرا، هاويا، محبا لتراث وطنه الخالد المقام العراقي) ليعرج الكاتب على قارئ المقام مجيد رشيد (1915-1982).