حكايات من الذاكرة

94

إعداد : محسن إبراهيم /

يزخر عالم الفن العراقي بكثير من الحكايات والأسرار التي كُشف بعضها ومازال بعضها الآخر طي الكتمان، حكايات وطرائف عمّا يدور خلف كواليس الأعمال نستذكرها في حلقات، تتحدث كل حلقة عن عمل ما، وتكشف أسرار أعمال أخرى.
“الدواسر” و”جرف الملح” و”المتمردون”
يعدّ الكاتب صباح عطوان من الكتّاب الذين أغنوا ذاكرة التلفزيون بالأعمال الدرامية المهمة. عطوان هو من أوائل من كتب المسلسل الطويل للتلفزيون:. ثلاثية “الدواسر” و”جرف الملح” و”المتمردون” كانت من أروع ما كتبه عطوان. تتحدث هذه الثلاثية عن واقع الريف في العراق وتقاليده المتمثلة بالصراع العشائري والفصليّة وبعض العادات والتقاليد الأخرى. أظهر الكاتب الشخصية الريفية بكل تفاصيلها وما تملكه من حنكة ودراية في أمور الحياة عكس ما كتبه بعض الكتاب بعد ذلك حين أظهروا الشخصية الريفية بشكل قرقوزي بليد.
حققت الثلاثية نجاحاً منقطع النظير في الشارع العراقي. في عام 1973 كتب صباح عطوان مسلسل “جرف الملح” الذي عرض عام 1974 وأخرجه المخرج المصري الراحل ابراهيم عبد الجليل بأسلوب سينمائي. حقق المسلسل في جزئه الثاني “المتمردون”، الذي صوره المصري سعيد شيمي وأخرجه إبراهيم عبد الجليل أيضاً نجاحاً آخر. أما مسلسل “الدواسر” فقد كُتب وأُنتج بعد “جرف الملح” عام 1975 وهو يتحدث عن هجرة الفلاحين من قراهم إلى المدن ليشكلوا عشوائيات على أطرافها، ونجح المسلسل أيضاً نجاحاً مميزاً. ونتيجة لنجاح العملين سُميت أكثر من قرية عراقية رسمياً باسم “جرف الملح.”
ممنوع من العرض..!
أعمال كثيرة باتت في طي النسيان بسبب الرقابة الصارمة التي عانت منها الدراما التلفزيونية العراقية آنذاك، مقص الرقيب كان حاضراً مع كل نص قد يرى فيه الرقيب ما لا يتناسب مع ضوابط وضعتها السلطة حينها، ما دفع الكتّاب إلى أن يدققوا كثيراً في ما يكتبون خوفاً من تجاوز الخطوط الحمر.
ربما كانت هي المرة الأولى التي يمنع فيها مسلسل عراقي من العرض عندما منعت الرقابة مسلسل “وينك يا جسر” تأليف فاروق محمد وإخراج فلاح زكي وتمثيل نخبة من نجوم الفن العراقي منهم فاطمة الربيعي وهناء محمد وغزوة الخالدي وليلى محمد ونزار السامرائي ومقداد عبد الرضا وآخرون.
المسلسل كُتب بجرأة إذ استخدم الكاتب إسقاطات الواقع العراقي المعاش آنذاك حتى أصبح المواطنون يطلقون كلمة “وينك يا جسر” على كل أمر لا يتحقق، وتباينت الآراء في أسباب منع المسلسل، فهناك من يقول إن التحاق الفنانة غزوة الخالدي بالمعارضة العراقية هو أحد الأسباب، وهناك من يقول إن المسلسل كان يرمز إلى معاناة الشعب العراقي الذي ينتظر فجر الخلاص، وتعددت الآراء في ذلك وظل المنع غير واضح الأسباب، ولم تفصح إدارة التلفزيون عن أي سبب لقرار المنع، وقد تحدث بعد ذلك عدد من الممثلين الذين اشتركوا في العمل، ومنهم الفنانة هناء محمد التي قالت: مثلت مع الأستاذ فلاح زكي في أعمال عدة، أهمها “وينك يا جسر”، ولكن مع الأسف لم يكتمل عرض هذا العمل الجيد، فقد أحاطت به تأويلات سياسية، وقد اشتركتُ فيه مع مجموعة من الفنانين منهم غزوة الخالدي وجواد الشكرجي ومقداد عبد الرضا وفاطمة الربيعي، وأتذكر مشهد ركضنا على الجسر، الذي كان يحمل الكثير من التأويلات، مع إطلاق تساؤل مفاده متى يا أمل؟ متى تتحقق؟ وفي المشهد تسقط العباءة من رأسي من دون تخطيط إذ جاء الأمر عفوياً، وتلتف على قدمي فصرت أركض بصعوبة، وقد زاد ذلك العمل معنى ورمزاً.
كما تحدث الكاتب فاروق محمد عن سبب منع المسلسل:
قالوا حينها إن فيه أموراً مسيئة للأدب، والأوامر جاءت من الرئاسة فوراً وتوقف عند الحلقة السابعة من 13 حلقة، العمل تناول أموراً في المجتمع تتحدث عن ممرضة مفصولة تعمل في إجهاض النساء الحوامل من خلال صديقتها، علماً أن هذا المسلسل عرض مرتين في السعودية.
داخل حسن وأم كلثوم
داخل حسن، بلبل الجنوب، كما يحلو لمحبي الطرب أن يسموه. مسيرته الفنية زاخرة بالحكايات، لعل أبرزها حين التقى كوكب الشرق أم كلثوم في حلب أثناء تسجيله إحدى الإسطوانات، استمعت السيدة لصوت داخل وانبهرت بذلك الأداء العالي وأعجبت به كثيراً، ما حدا بها أن تدعوه إلى زيارة القاهرة ليغني هناك، لكنه اعتذر لها قائلاً: “يا ست الله يخليج آنه في بغداد كوّة امدرج لهجتي بالله تريدينّي أغني بالقاهرة اشلون ادبرها وياهم”، فضحكت أم كلثوم وقدمت له هدية عبارة عن قطعة من الملابس إلى زوجته فيما قدم لها شالاً ظلت محتفظة به إلى أن توفيت.