خمسة وأربعون عاماً على منعها.. مسرحية “دائرة الفحم البغدادية”.. بين الحضور والغياب

154

د. سعد عزيز عبد الصاحب  /

لم يدُرْ في خَلد المخرج الراحل إبراهيم جلال (1921ـ 1991) أن كدّ تمارينه المضُنية مدة أربعة أشهر وبضعة أيام لمسرحيته الموسومة (دائرة الفحم البغدادية)، التي عرّقها الكاتب (عادل كاظم) عن مسرحية الشاعر الألماني (برتولد بريشت)، ستنتهي بعرض واحد لليلة واحدة، ضجت بها قاعة المسرح القومي في كرادة مريم بمئات المتفرجين الذين كانوا يترقبون عرض هذه المسرحية على أحرّ من الجمر.
ليس لأن مخرجها (إبراهيم جلال) فقط، بل لأن ممثليها هم كوكبة جيدة ورصينة من ممثلي الفرقة القومية للتمثيل ومنهم (كامل القيسي، وقائد النعماني، وأمل طه، وسامي قفطان، وأفراح عباس، وحسين اللامي، وعزيز عبد الصاحب، وعبد الجبار كاظم، وعبد الصاحب نعمة، وسناء سليم، وحميد البنا، وحسن عبد، وعادل عبد الرزاق، ومنذر حلمي، الممثل الوحيد الآتي من فرقة مسرح اليوم وآخرون..). صمم سينوغرافيا المسرحية الفنان التشكيلي الكبير (كاظم حيدر) والإضاءة (عبد الله حسن)..
رؤية شوفينية
حضر افتتاح المسرحية وزير الإعلام في النظام البائد آنذاك (طارق عزيز) مصطحباً بمعيته (ناصيف عواد) الذي كان عضو المكتب الثقافي، الذي همس في أذن وزير الإعلام بعد انتهاء العرض بأن هذه المسرحية يجب أن تتوقف عن العرض حالاً لأنها، كما يزعم، تسيء إلى قضية العرب الكبرى (فلسطين السليبة) وفيها مدح ضمني لدولة إسرائيل إذ (أن الولد للأم التي ربّت وليس للتي ولدت). وبهذه الرؤية الشوفينية الأحادية النابعة من فهم النظام الشمولي البعثي السائد آنذاك في العراق، ومن منطلقات دوغمائية قُيض لمسرحية (دائرة الفحم البغدادية) أن تغادر أحلامها في الاستمرار بالعرض لأكثر من ليلتها الموعودة في 15 /1/1976 وتغادر نقدها للسلطة الدكتاتورية القائمة آنذاك ومركزيتها التي تحطمت على عتباتها أجمل العروض الفنية المسرحية والسينمائية بجرّة قلم، من منظور قومي ضيق قتل أحلاماً ورؤى لفنانين كبار استطاعوا التعبير عن علل مجتمعهم ومشكلاته بأبعاد وأشكال ومضامين احتجاجية رافضة. فالتعتيم الإعلامي المقصود الذي حاق بعرض (دائرة الفحم البغدادية) حال دون أن يحظى العرض بالنقد والتحليل، والدخول كعيّنة في حقل الدراسات المسرحية وبحثها بوصفها تمثيلاً لحقبة سوسيوـ ثقافية ودليلاً على نبوغ الفن المسرحي والدرامي في حقبة السبعينيات من تأريخ بلادنا، ولاسيما ما خرج من معطف المخرج الكبير (إبراهيم جلال) الذي دُرست عروضه وكتب عنها باستفاضة كعروض (البيك والسايق) و(المتنبي) و( مقامات أبي الورد) و(التوأمان) و(الشيخ والغانية)، إلا عرض (دائرة الفحم البغدادية) الذي ناله ما ناله من الإقصاء والتهميش.

عن الحكاية والتعريق
ولا بد من المرور سريعاً بتلك الحكاية التي كتبها (بريشت) تحت عنوان (دائرة الطباشير القوقازية) وعرّقها الكاتب المسرحي العراقي (عادل كاظم) تحت عنوان (دائرة الفحم البغدادية) والحكاية يعرفها كثيرون وفحواها:
ـ في الزمن القديم، في عصور الدماء، كان يحكم هذه المدينة التي تدعى (الملعونة) حاكم يسمى (جورجي أبشفيلي)، وكان غنياً غنى قارون، وله زوجة رائعة الجمال وطفل قوي البنية، ولم يكن في جورجيا حاكم له مثل هذا المقدار من الخيول المربوطة في مذوده، وعلى بابه مثل هذا القدر من الشحاذين، وفي خدمته هذا المقدار من الجنود، ولا في قصره مثل هذا المقدار من أصحاب المطالب.. كيف أصف لكم رجلاً مثل جورجي أبشفيلي.. كان متمتعاً بالحياة.
هكذا يبدأ بريشت حكاية الدائرة المسرحية، ثم يسقط هذا الحاكم ويشنق فتهرب زوجته تاركة طفلها الذي تأتي الطباخة أو المربية (كروشا) فتحمله وتنقذه من الموت فيلاحقها جند النظام الجديد فتهرب به منهم، وتعاني الطباخة المسكينة بسبب الطفل ابن الأمراء.. لكنها تنتمي إليه (والإنسان من حيث يوجد لا من حيث يولد)، كما قال بديع الزمان الهمداني، فتقف هذه الطباخة في المحكمة لتقول: لقد ربيته أحسن تربية قدرت عليها، ووجدت له دائماً طعاماً يأكله، وفي معظم الأحيان كان يجد سقفاً يستظل تحته، ومن أجله عانيت كل أنواع المتاعب وأنفقت مختلف ألوان الإنفاق، إنني لم أبحث عن راحتي وقد عودت الطفل أن يكون لطيفاً مع الناس جميعاً وأن يعمل قدر ما يستطيع، وهو ما يزال صغيراً جداً…
ثم يسقط النظام الجديد، وتعود الوجوه القديمة إلى السلطة فترجع الأميرة زوجة الحاكم المقتول إلى قصرها وتطالب بعودة ابنها إليها، إلا أن الطباخة ترفض وتدعي أنه ابنها فتحال هذه القضية إلى القاضي (أزدك) الذي تحول إلى (المعنكي) عند المعرِّق (عادل كاظم)، وهو رجل خبِر الدنيا وعرفها، وهو بالرغم من تعتعته وسكره ومساومته أحياناً، إلا أنه يحكم بالطفل إلى الطباخة (كروشا)، وقبل أن يحكم به لكروشا يقول: أيتها الشاكية.. وأنت أيتها المتهمة.. لقد استمعت المحكمة إلى أقوالكما ولم تستطع أن تتبين باقتناع من هي أم الطفل الحقيقية، وعليّ أنا القاضي أن أقرر من هي الأم؟ سأنظم لذلك امتحاناً.. يا شوقا.. خذ قطعة من الطباشير وارسم دائرة على الأرض.. ووضع الطفل داخل الدائرة.. أيتها الشاكية وأنت أيتها المتهمة قفا على جانبي الدائرة كل واحدة منكما تمسك بالطفل من يده من ناحيتها والأم الحقيقية منكما هي التي ستكون عندها القوة على سحب الطفل خارج الدائرة.
أخيراً ترفض الطباخة (كروشا) سحب الطفل إليها قائلة: أنا ربيته.. هل انتزع أطرافه؟! لا أستطيع.. لا أستطيع..
وحين عرّقها (عادل كاظم) تحولت كروشا إلى (حسنة) وسايمون إلى (حسن) وشوقا إلى (عبود) وأرسن كازبكي إلى (كتخدا)، ونوزيتي قشنادزه إلى (حمد). وتدور الأحداث في بغداد أثناء العهد العثماني المتأخر أيام الاحتلال التركي وتفاقم ظلم الجندرمة.. وبقي جوهر الحكاية على حاله مثلما رسمها بريشت. لقد بذل عادل كاظم جهداً مخلصاً وحقق إضافة جديدة إلى المسرح العراقي عند تعريقه المسرحية وتحويلها إلى اللهجة الشعبية المحلية، فالمسرحية بترجمتها الفصحى لـ(عبد الرحمن بدوي) جاءت ثقيلة وعسيرة على الفهم، إلا أن عادل كاظم قدم (طبخة) مستساغة، لكنه أخطأ خطأ فاحشاً في حذف مقدمة المسرحية التي ثبتها بريشت في البداية واعتنى بكتابتها ووضع لها عنواناً هو (الصراع على الوادي).