درويش الشعر عزيز السماوي نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والنفي

1٬111

رئيس التحرير/

في أيام السبعينات، كان عزيز السماوي يردد دائماً، أنه كلما سمع إطلاق نار، يتحسس موقع رصاصة في جسده. ولم يكن مغالياً أو خائفاً، ففي تلك الأيام كان إطلاق النار في العراق، لأغراض الاغتيال خاصة، كثيراً ومألوفاً، وكان عزيز مستهدفاً مثل كثيرين من مبدعي ومثقفي وسياسي العراق. وهاهو يموت ووشم تلك الرصاصة الطائشة

محفور في روحه. لقد مات عزيز السماوي برصاصة المنفى الأشبه برصاصة الرحمة.
وعزيز السماوي ليس شاعراً آخر يموت في المنفى، بل نخلة عراقية قتلها عطش الغربة والنفي. مات عزيز غيلة وكمداً، ومن يعود إلى شعره سيتأكد من هذه الحقيقة. فقد كان يكتب شعره بعصارة القلب وبوجع الغريب المجروح طولاً وعرضاً، وكان يحاول دائماً ترميم الأشياء من حوله، (من حولنا) الأشياء الكثيرة المنكسرة والمتهدمة في روحه، وفي أرواحنا، الأشياء التي علاها الصدأ أو طاولها النسيان أو غادرها البريق. كان جلاءً كبيراً لمعادن البطولات الغابرة، والمواقف الإنسانية الأثيرة، والشخصيات النادرة، والأماكن الأليفة، وصفاء السرائر، والقلوب المشبوبة بالعواطف والقيم النبيلة. لهذا كان يكتب بعاطفة عميقة عن هذه الأشياء. فكتب عن البصرة، لا كمدينة أحبها وعاش فيها وله من أهلها أصدقاء وزملاء وذكريات، حسب، بل كتب عنها كأم من لحم ودم، يتذكر حنوها وطعم حليبها وحزنها، ويتوجع لوجعها المديد:

البصرة ليل ونجم خايف

البصرة فانوس إنطفى بليل الصرايف

البصرة صحوة حلم وأسرار

البصرة ليل وشمس آذار

البصرة موقد جمر يخضر بالظلام أسرار

البصرة وسط الكلب كل العمر خطار.

وليست البصرة وحدها، من منحها عزيز السماوي هذا الحنو، بل بغداد والسماوة والديوانية والحلة، وسواها من المدن العراقية، التي كانت بالنسبة له، لا مجرد مدن مبنية من الطين والطابوق، إنما علامات محفورة في الروح ومشغولة من زمن وأشواق ونهارات وأقمار وبطولات وشجاعات وعشق لا ينتهي ولا يتوقف.

نبض حي

ومثلما هي المدن، محالة في نصه الشعري، إلى نبض حي يجري في العروق والأوردة، كذلك هم الناس، أصدقاء، وشعراء، وأصحاب سيّر بطولية، فقراء وشرفاء، يحالون، دائماً، إلى البهاء والصفاء الروحي وقيم البطولة والنبل والشهامة. فهؤلاء، بالنسبة لعزيز، مشاريع تغيير محتملة ودائمة، من حياة ناقصة ومثلومة وثقيلة الوطأة، إلى حياة أفضل وأجمل وأبهى. لقد أعطى عزيز السماوي للشعر الشعبي العراقي، وهو من أبرز مجدديه، نكهة خاصة، وخاصة جداً، فهو لا يشبه أحداً في كتابته للقصيدة ولا أحد كان يشبهه في ذلك. وخصوصية قصيدته مستمدة من وعي عميق بدلالات اللغة الشعبية (المحكية) ومخزونها الغني المكتنـز بالإيحاءات والصور والإحالات والظلال، وكل ماله صلة لصيقة بيوميات الناس وهمومهم وتعبيراتهم وتأملاتهم الوجدانية.

لهذا تبدو قصيدته متصلة، تمام الاتصال، بموضوعتها الإنسانية، الجمالية والفنية، مثلما تبدو متفردة بتقنيتها وبلاغتها وصورها. قصيدة تشبه نبتة متوحدة في غابة الشعر.

الدرويش

ولم أصادف شاعراً يستخدم جسده وأصابع يديه وعينيه وتنويعات صوته، في تجسيد الصورة الشعرية، مثلما يفعل عزيز السماوي ذلك حين يقرأ قصائده. وما يضفي على هذا الاستخدام نوعاً من المشهدية المؤثرة، قيامه بتجسيد حركة الجسد واليدين والأصابع وتجهم الوجه وانفراجه، تبعاً لحركة وإيحاء الصورة الشعرية، تساعده في ذلك طريقته المدهشة في قراءة شعره، قراءة ممسرحة تضفي على أجواء القصيدة طقساً خاصاً يعمّق من أسئلتها وإيحاءاتها الجمالية. وقد تمكن الفنان التشكيلي المبدع فيصل لعيبي، وهو من أقرب أصدقاء عزيز وأكثرهم اهتماماً بشعره، من التقاط هذه الخصوصية، خصوصية تجسيد الصورة الشعرية جسدياً، فوضع سلسلة مدهشة من التخطيطات، نوّع فيها على حركات الجسد وتشظياته في لحظات ضعفه وقوته وفرحه وحزنه، جسدت، هي الأخرى، قصيدة عزيز في لحظة قراءتها. (وقد ضم ديوان أغاني الدرويش الكثير من هذه التخطيطات).

ولد الشاعر عزيز السماوي في العام 1941 بالديوانية وعاش في بغداد قبل اضطراره للرحيل الى المنفى عام 1978 حيث توفى في لندن في الثامن من حزيران عام 2001.