دعوات لصيانته وتحويله إلى متحف.. لا نخلة ولا جيران في بيت غائب طعمة فرمان!

100

علي غني /

بيت آيل للسقوط تحيط به النفايات والأوحال من كل جانب. هذا البيت الذي كتب فيه صاحبه غائب طعمة فرمان روائعه المهمة. الصور التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي أثارت استياء المواطنين، ولاسيما المثقفين منهم، فالدول تكرم أدباءها وتحول بيوتهم إلى متاحف يُحفظ فيها تراثهم الأدبي، بل إن هذه البيوت قد تتحول إلى مصادر دخل للدولة.
صاحب رواية (النخلة والجيران) مات وحيداً في الغربة (روسيا)، وتجاهلته المؤسسات الرسمية والأدبية، شأنه في ذلك شأن العديد من أدباء العراق، لكنه لم يغب عن محبيه في العراق.
أروع الروايات
يقول الروائي المبدع صادق جواد الجمل (من مواليد بغداد ١٩٥٣)، الذي أصدر العديد من الروايات والقصص التي نالت شهادات تقديرية ودروعاً للتميز، عراقية وعربية: إن كاتبنا الكبير الراحل غائب طعمة فرمان عاش في بيت متهالك بمنطقة المربعة في شارع الرشيد، وأنتج في هذا البيت أروع الروايات العراقية التي أسست للرواية العراقية الجديدة، ومن رواياته المعروفة: (المخاض، وخمسة أصوات، والنخلة والجيران)، في خمسينيات القرن المنصرم، ويعد من مؤسسي الرواية (الإيقاظية).وتابع (الجمل): هاجر (فرمان) بعد مضايقات كثيرة كادت أن تؤدي إلى اغتياله، فتوجه إلى الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، ومكث هناك غريباً يحنّ ويكتب عن الواقع العراقي والأزقة البغدادية وكأن روحه بقيت في العراق، بينما يسكن جسده في تلك الغرفة البائسة في موسكو. أرجوك (قال لي الجمل)، انتبه لكلامي!: (النقاد الروس أحاطوه برعايتهم، ولما فارقت روحه الزكية جسده المنهك، أقاموا له تمثالاً نصفياً في موسكو تثميناً وتقديراً له).
وأختم كلامي (قالها الجمل): لابد من الإشارة والتنبيه للحكومة العراقية ووزارة الثقافة وأمانة بغداد، ولكل من يمتلك سلطة اتخاذ القرار، أن يضعوا نصب أعينهم ضرورة تحويل بيته إلى متحف وملتقى، تجمع فيه صوره ومؤلفاته وما كتب عنه من قبل النقاد والأصدقاء والمريدين.
مبادرات خجولة
أما الكاتب والإعلامي عمران العبيدي، فقد أظهر دهشته عندما رأى الخراب والنفايات تحيط ببيت غائب من كل جانب، لماذا هذا الإهمال؟ لكن لا إجابة مقنعة على ذلك الإهمال الرسمي لكثير من الرموز الثقافية والفنية والعلمية وخزائنهم وموروثهم الثقافي وتلاشي ذلك الموروث مع الوقت، سوى مبادرات خجولة هنا أو هناك تختفي على نحو سريع بعد كل تصريح. يؤكد العبيدي أن ما يملكه العراق من رموز ثقافية لايضاهى بما لدى أية دولة، لكن في تلك الدول ماكنات إعلامية تتمكن من الترويج والارتقاء بمبدعيها إلى مصاف العالمية، فيما يعجز العراق عن تسويق مبدعيه بشكل لائق، والأدهى من ذلك هو التغافل الرسمي الحكومي واهتمام المسؤولين بالسطحيات، مع ذلك تبقى محاولات بعض الجهات غير الرسمية التي تصارع من أجل الاحتفاء بهذا الأديب أو ذاك العالم أو الفنان مجرد محاولات ضعيفة.
وبحسرة يتحدث عمران عن أن المثقفين اعتادوا أن تكون ردود أفعال الجهات الرسمية مبنية على المناشدات بالاهتمام بهذا المنجز وهذا المثقف أو ذاك، لكن ردود الأفعال هذه ليست مبنية على خطط مدروسة لتبني المثقف وموروثه، وهو سلوك لا يشجع على نمو الثقافة وتأثيرها.
تموت فتنسى..
فيما أعربت الإعلامية هند مجيد النجار عن أسفها الشديد لما رأته من خراب في بيت الأديب غائب طعمة فرمان وهي تقول: من المؤسف أن تولد مبدعاً في وطنٍ لا يقدر ذلك الإبداع، أن تحيا دون أن يُشاد بك على أرضك وبين أبناء وطنك، وبعد أن تموت تُنسى تماماً وتُلغى من الذاكرة.. غائب طعمة فرمان، ذلك الكاتب الكبير والروائي العظيم، الذي ترك لنا 10 روايات والعديد من القصص التي نالت شهرة عالمية، لكنه لم يجد سوى الإهمال في بلده! وتتمنى السيدة مجيد أن تُدرّس روايات فرمان لليافعين وتُدرج ضمن المناهج، لكي يحترم أبناؤنا انتماءهم لوطنٍ فيه من القامات والعلامات ما يجعلهم يفتخرون به وبانتمائهم إليه، لكن الواقع، وللأسف، لم يكن كذلك، فالكاتب الكبير غائب طعمة فرمان عاش غائباً عن وطنه معظم حياته وأُسقطت عنه الجنسية قسراً لمرتين، ورغم حبة الشديد لوطنه، لكنه حُرم من العيش على أرضه، كما أنه لم يحظَ بالتكريم حتى بعد وفاته فتحول بيته في محلة المربعة البغدادية القديمة التي تقع على جانب شارع الرشيد، الذي يعد هو الآخر من أشهر شوارع بغداد التراثية، إلى مجرد خربة ومكب للنفايات.. نتمنى أن يأتي اليوم الذي يُذكر فيه الكاتب الكبير وغيره من المبدعين ليحصلوا على التكريم الذي يستحقونه بدلاً من ذلك الإهمال المُحزن الذي اعتاد عليه كل المبدعين، ولاسيما في المجالات الثقافية.
كشف وتقرير
وزارة الثقافة، وعلى لسان مدير إعلامها الأستاذ نعمة عبد الرزاق، أوضحت لنا العديد من الحقائق، إذ أكد لنا الأستاذ نعمة أن الوزارة ستقوم بإجراء كشف على البيت وتقديم تقرير عن صيانته. وبين عبد الرزاق أنه لا يمكن إنجاز صيانة بيت الروائي من قبل هيئة الآثار، إذ أن قانون الموازنة الاتحادية لا يسمح بصيانه الأبنية الخاصة بالمواطنين، وإنما فقط صيانة الأبنية المملوكة من قبل الآثار حصراً، ويمكن -بصريح العبارة- أن تتبنى أمانة بغداد مشروع الصيانة، لأن القانون يخولها ذلك عكس السلطة الآثارية. فيما بينت مصادرنا أن أمين بغداد له تصور واضح عن هذه البيوت، وأن الأمانة لن تغفل عن إعمارها ، وها نحن ننتظر مقبل الأيام.
قطعة سجعية
من جانبه، بادر الحاج كمال العامري، مدير بيت البياع الثقافي، وهو الدارس لأدب غائب طعمة فرمان بتمعن، فخصص له إحدى جلسات البيت الثقافي بطريقة (السجع) لشدة ما أثاره الأمر من (وجع…)، والقطعة السجعية حرصت أن أضعها في (مربع)، لما فيها من تعبير متفرد، وحالة جديدة على ذائقة القراء، عسى أن يجدوا فيها صورة (غائب) الحاضر في الوجدان.