رويض.. “احبك ليش ما ادري”؟

662

د. سلمان كيوش/

لم تدهشه زرازير التنّومة التي تحطّ على رأسه وكتفيه حين يغنّي وهو يلولح قدميه في شطّ العرب، ربما لأنه عرف مبكرا أن ما به من الجمال وحسن النيّة كافيان ليفخر بإنسانيته قبل أي امتياز آخر. في صوته من المسالمة ما يحيّد الضغائن فيحيل مستمعيه إلى مرأى العصافير وهي تنقر أفواه القطط. يُندّي صوبي الشطّ في التنّومة ويملأهما برائحة كالتي تطلقها الأرض
أرهفتُ السمع لصوت رويّض، كما يحلو لي تسميته، منذ ناب عني في ترديد أسئلة غرامي في “أحبّك ليش ما أدري”، فبدوتُ مع غنائه أجمل وأرقّ لأن فيه من الألفة مع الضيم ما يضاعف حبّي “لها” وله. صوت منشغل بالمتعذّر القصيّ من الأحاسيس مع أنه بدأ مقلدا لانشغالات الملا صيهود الكَرناوي في زفراته. صوت واع لمهمّته لأنه يعرف أن الحبّ هو الطريق الأقصر والأجمل إلى حيازة الأهميّة في الوجود. صوت يستفزّ الفضول نحو المتع البِكر غير المجرّبة، ومع هذا ظل ما بروحه أكبر بكثير مما أحاطت به أغانيه برغم كثرتها. لذا ظل الناس ينتظرون منه ما لم يقله، وكأنّ ما غنّاه كله محض بداية لسِفر كبير سيتلوه يوما. وانتظر الناس، غير أن الموت خيّب آمالهم لأنه هو من تولّى وضع اللمسة الأخيرة للّحن المنتظر حين نقش على الذاكرة مرأى جنّازة في غير أوانها تعتلي قمارة سيّارة تتجه، في صباح ربيعي، إلى المثوى الأخير.

نفعته روجات شطّ العرب كثيرا، فقد وظّفها عُربا لصوته، واستفاد من خيوط البريسم وريش إبطي الخضيري وعنقه فحاكاهما في الرهافة والنعومة. وبرغم تشتّت روحه بين الممكن السهل في رحابة التنّومة وما حولها في الجنوب، والمستحيل في صخب بغداد وزحامها، بقيتْ على الديدن القديم الذي لا يُحسن من الوجود غير التقاط ذبذبة الجمال.

براعة الانتقاء

كان يعرف أنه سيموت وتبقى أغانيه، لذا برع عبد الرضا بن مزهر السباهي في الانتقاء. كان يقلّب الكلمات والألحان كما يقلّب أهله عكَلهم قبل أن يضعوها على رؤوسهم. عرف مبكرا أن صوته يصلح لفصد الأرواح المعذّبة وحجامتها، وأنه يليق بتكثيف سحب الحزن ليمطرها حالوبا لذيذا على الظامئين المدمنين للعذوبة. كان هذا حين غنّى على الشطّ أوّل مرّة فسمعته أمّه وبكت. قالت له:” حسّك شعب روحي”، ضحك أبو الروض في وجهها وقال:” يمّه، جنت أغنّي”، وهو لا يعلم أنه يختزل بغنائه الكامنَ من الحزن والفائض منه منذ السلالات الأولى للدمع السومري بانهماره أمام برحيّة ماتت أو جاموسة مربوبة نفقت متعسرة في ولادتها.

لم يكن يعرف وهو يتأمل الامتداد الجميل للشطّ في التنّومة أن الملايين ستدمن صوته الذي تحمّل أعباء رسالة كبيرة مفادها أن الحبّ بخير في بلد تعلو فيه صفارات الإنذار حتى على أصوات المآذن. لم يكن موقنا إلا من أنه يصلح لمهمّة واحدة هي أن يغنّي، وأن لا معنى للغناء إن لم يكن مسبوقًا بهمّ ومصحوبا بدم. لم يكن يعرف أن أغانيه ستُغلف بالورد والأشرطة الحمر المزركشة ليتبادلها العشّاق مراسيل غرام ليثبتوا لأحبّتهم أنهم حلّوا في قلوبهم أبدا.

صوت الآصرة

يساريّ الهوى، حتى غدا صوته ممثلًا للحلم الجميل المقموع ببلد سعيد مع أنه لم يكن شعائريا. هو صاحب الصوت الآصرة بين الوطن والحبيب. فحين تستمع إليه يتسلل إليك إحساس أن ثمة خللًا جماليا كبيرا في مكان ما بيننا، وأن هذا الصوت ليس مصادفيا، بل هو نتاج معارضة عتيدة من نوع ما. صوت يعمد إلى تعرية مستمعيه إلا من جمالهم، فيضعهم وجها لوجه مع ما بهم من نقاء واستعداد كبير للحبّ. ينزع ما بهم من غلٍّ فتتسيّد في نفوسهم رغبتان: البكاء على حبيب لم يحظوا بوصاله، والعمل بجدٍّ للإطاحة بشيء، أي شيء طاغ ومستبدّ.

النواح المموسق

شغله السؤال الكبير، ولعله من القلائل الذين فكّروا به: كيف يمكن للأغنية أن تُمرّر اليسار بشحنة اعتراضه مع أن كلّ ما فيها للحبيب؟ وأعاد السؤال بطريقة أخرى: كيف يمكن تطويع حنجرة تتقن النواح المموسق فقط لتوصل للآذان، ومن بعدها القلوب، الاعتراضَ الكبير على ما يجري؟ أظنّه أجاب عنه بطريقة فذّة، لكنه عجز عن أن يكون ثوريا على أهبة الاستعداد لأعواد المشانق أو عتمة الزنازين الضيقة، فآوى إلى عالمٍ من صنع مخيّلته التي شاء تخديرها عامدا قاصدا كي لا ينزّ عليه عالمُه بالمزيد من الشرّ والقبح، تاركًا للناس إرثًا مبهرا في “من تزعل” و”بحشاشتي سهمك مضه” و”آن الأوان” وغيرها الكثير، معلنا أن يده وحنجرته البيضاء معهم، وأن هذا هو موقفه من الحياة وإرثه: تراتيل يترنّم بها كلُّ من استبدّ به الوجد وأعجزته الحيلة في الوقت العصيب، وفي حروب بدت مفتوحة على كل احتمال إلا احتمال نهايتها.

جنوبيّ مغمور

حدّثني من كنتُ أتمنى أن أكون صديقا قديما حميما له، الأستاذ كاظم غيلان، قال: سمع أبو الروض أغنية قديمة أعجبته، بل هام بها.. أغنية لمطرب جنوبيّ مغمور، هي “الفوته فوته يا عيني”. تساءل أبو الروض عن عائديّتها، فقيل له هي لكَريري السلمان. أصرّ على أن يرى هذا الرجل. ذهب أبو الروض بصحبة كاظم غيلان إلى العمارة وحلّا ضيفين كريمين على الفنان الجميل كاظم فندي، وسردا عليه سبب وجودهما في العمارة.. ذهب الثلاثة بعدها إلى المضيف الذي يتوسّط متنزه العمارة في الجانب الشرقيّ لدجلة، وهناك كان اللقاء الذي انضم له الفنان الكبير جويسم كاظم. تحدّث أبو الروض، وعيناه في عيني كَريري:” عمّي، أريد أغنّي وحده من أغانيك”. سأله كَريري:” يا أغنية”؟ فقال أبو الروض:” الفوته فوته”، قال كَريري:” بالله سمّعني”، وصدح أبو الروض في المضيف. تمايل الحاضرون، وكان كَريري أكثرهم طربا، ربما لأنه صاحب قصب السبق في التغنّي بالفوته وما تركته من ألم.

قال كَريري، وقد شعر أن يومه جميل جدا وأن أنباء الحروب وقدرتها على سلب ومقارعة الجمال ليست صحيحة دائما، وأظنه قد احتضن رويّض وقبّله في فمه:” والله يا بويه أنت غنّيتها أخير منّي”.

سمعتُ الحكاية الصغيرة الكبيرة فزادت لوعتي لأن ذاكرتي تمتلئ بالكثير من الحكايات المناهضة المناوئة للشرف والرفعة في زمن أوضحُ ما فيه هو الانتهاك الصريح لهما.