ريتا هيوارث حور يّة السينما وإلهة الحب

54

آمنة المحمداوي -رسم: زياد جسام /

أتمدد على حياتي وأدندن بها مع نفسي كأغنية وحيدة، وأتساءل من الذي أقنع المراة التي كانت ترتدي ضحكاتها الساحرة بغنج، مثلما كانت “ريتا هيوارث” ترتدي قفازيها الأسودين المطعمين بالزمرد، فتدوخ الكون بأسره، صبية تشبه لوحة فرنسية غامضة إذا تورطت بالتمعن فيها لدقائق فلن تستطيع الخروج من ملامحها طوال حياتك إلا محمولا في جنازة!
ينتظركِ العالم على إيقاعٍ من دقات القلوب يا ريتا، تتمايلين بفستانكِ السواريه الأسود فوق خشبة المسرح مثل حورية بشرية فيصمت انحناءً، نظرة خاطفة لترافةِ وجهكِ تضعني أمام سؤال محيّر: ترى من الذي أقنع نساء هذا الزمان المعلّب أن يستبدلن حسن جدّاتهن الخام “بڤاترينا” الوجوه الناشفة والصدورِ المحشوّة، وكيف وثقت إحداهن بأن شفاف السليكون المتورمة تطيل الحب أكثر من عمر قبلة.
يا إلهي، أدقق بخدكِ المنمّش كيف يحمر حينما تبتسمين بجمالٍ خجولٍ متعرق، فأكتشف كم هو مرعب أن تتدحرج دموعنا المتيبسة من عدساتٍ لاصقةٍ لا ارتعاش فيها، بل حتى أوجاعنا وتجاعيدنا الأنثوية صارت تحنط بإبرة بوتكس أو جيلاتينة فلر، لا أحد يملك “أكسباير” ليجعلنا على الأقل نستلِذ بنعمةِ النسيان وشيبة الزمان، هل هنالك في رأيكم أعظم من أن تلتقي بأحدهم صدفةً ويقول لك: آه.. لقد كبرنا معاً.
يقولون إنكِ ربة جمال روماني يقلق كل من يقف أمامه وجهاً لوجه، وبالرغم من شهرتكِ الكبيرة، فقد عشتِ فقيرة الحظ شحيحة السعادة، لكنني لا أعتقد بالمصادفة هنا وإنما أجد مهارتك في جمعِ الأحزان وطحنها ومن ثم تجفيفها بأكياسٍ سعيدة هي السبب، وإلا كيف تكونين ابنة لراقصٍ إسباني مريض نفسي ومجرم جنسي يصر على إجبارك بالرقص معه في النوادي الليلية، وحتى حينما هربت من توحشهِ مستنجدة بحضنِ “أورسون ويلز” الذي دخل حياتك كنجادة أمان صفراء، خذلك هو الآخر ولم يهمه شيء أبعد من نجوميتهِ على حسابكِ، بل أغرقك الوغد بالجحيمِ أكثر فأكثر، فكبرت في داخلهِ مشوهة الصبا لما تبقى من حياتك التراجيدية، ولم يحاول حتى حماية العلاقة المسيجة بالأسرار.
يا للألم يا ريتا.. يا للألم، أي مرار هذا الذي سحقك يا فاتنة الملوك بعود خصرك الميال، حتى صرتِ تشعرين بأنك قبيحة هاربة من ظلالِ المرايا بعد أن كان خدكِ الأبيض المنمّش يتسبب بخللٍ فني كلما اصطدم بإضاءةِ عدسات الكاميرا أثناء التصوير.
كيف أصبحتِ امرأة مدمَّرة، عادية، يائسة، يا صاحبة الأنف الروماني المعاند، وحارقة قلب كاميليا، قطة مصر الشقراء بدلعكِ، ومحطمة غرور كاريوكا التي لم تحتمل جاذبية خصلات شعرك الحمراء فضربتكِ بـ “الشبشب”، أنت التي تطحنين أوجاعك الليلية بنعومةٍ، ومن ثم تطلين على العالم البشعِ من خلف السينما ببراءة فطرية عجيبة اقتلعت حتى جذور الشر وخراب البيوت الذي لازم غالبية أدوارك على الشاشة.
أهي مصائد الأمير خان، أشهر محتال قلوب عرفته أوروبا، أوقعكِ في شباكهِ كفراشة هشّة وعدها أن تصبح بجانبه أميرة، وهرب، أم أنها لعنة إدوارد هادسون الذي كان يجبرك على إقامة علاقات مع الكبارِ في هوليوود ليستفيد، أم تراه المنتج الأسطوري هاورد هيوز الذي صارع بكِ وسواسهُ القهري فقادك نحو الجنون بأريحية.
لماذا يا معبودة الرجال صبّت عليك غيرة الرجال فسحقوا حاجتك الوحيدة للأمان بخياناتهم، فركضتِ مهزومة من هذا العالم البائس الى الزهايمر المبكر لعلهُ يجفف مدن الملح الطافحة بالذاكرةِ، لأن لا أحد يفكر ويتذكر إلا بعد الفقدان:هنالك وجه امرأة لو ضاع منك فستمضي بقية حياتك وأنت تلصق ملامحها في وجوهِ جميع النساء.. ولن تنجح!