سخاء خفيّ وتواضع شحّ مثيله عبد الحليم حافظ.. الفنان الإنسان

200

عادل مكي/
أخلاقٌ رفيعة وقيم إنسانية سمحة قد لا تخطر على بال الملايين من المحبين الذين عشقوا مشاهير الفن والطرب الأصيل، ممن عاشوا حياة الأباطرة في محميات من المال والنفوذ والقرب من الملوك والحكام. لذلك ربما يصعب تصديق فكرة شغف أحدهم بعادات وطبائع إنسانية لا يشعر بها ولا تخص إلا عوالم البسطاء.
لكنهم في الحقيقة أدمنوا عليها، وحرصوا على إخفائها ولم يجعلوا أحداً يلتقطها أو يدرجها ضمن قالب الشخصية العام والمتاح للجميع، وإنما بقيت طيّ الكتمان. ومنها قضية الكرم والسخاء، إذ إن من المعروف أن العرب في الجاهلية والإسلام لم يشغفوا بأكثر من شغفهم بالشجاعة والكرم، إذ اقترن ذكر الكرم بأسماء الأجواد الأسخياء، وكان الملوك شديدي الحرص على أن تنتشر سمعة كرمهم من خلال الشعر والشعراء الذين أشادوا بأفعالهم.
وعليه، فإن تأريخ هذا السخاء يقودنا لا شعورياً الى الحديث عن الجانب النبيل (الخفيّ)، والسلوك الإنساني في حياة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، ألا وهو جانب الكرم الذي صار عنده عادة لا يمكن الاستغناء عنها، فقد عرف عنه أنه كان يغدق المال على الذين هم في حاجة ماسة إليه، ناهيك عن مواقفه مع المحيطين، أو حتى غير المحيطين به، بعد أن بزغ نجمة وصار اسماً كبيراً في حقل الغناء والتطريب، إذ إنه ترك محبة في قلوب كل من عرفه وسمع بسيرته العطرة وفيض عطائه وكرمه، ولم ينس أبداً أهل بلدته عندما خرج منها راسماً أحلامه، حين ذاع صيته ووصل الى قمة مجده، فقرر أن يجلب لبلدته الخير ليرد لها الإحسان، فهو أول من أدخل الكهرباء إليها، وقام ببناء الوحدة الصحية في مسقط رأسه عام 1964 التي تعد الملجأ الوحيد لخدمة أهالي القرية والقرى المجاورة في ذلك الوقت بعد أن جرى ترميمها. وكذلك قام ببناء مسجد (الفردوس) في قريته، فضلاً عن بناء مسجد (الفتح) في الزقازيق، الذي استغرق بناؤه عشرة أعوام على طراز فريد، ويضم مركزاً ثقافياً وإسلامياً على مساحة 950 متراً مربعاً، وأعتُبر من أهم معالم المحافظة. وأيضاً أسهم بتجهيز فتيات القرية اليتيمات والأكثر احتياجاً جهازاً كاملاً، وتولي التكفل بكافة مصاريف تعليم أسرة كاملة في قرية تابعة للمركز، فضلاً عن أنه أسهم في بناء جامعة الزقازيق من خلال إحيائه بعض الحفلات التي كان يذهب ريعها إليها، وأقام فيها حفلة، وجمع تبرعات من التجار في ذات المدينة لصالحها، وغير ذلك من الأعمال الخيرية.
ولا ننسى إيثاره المطربين الشباب في تقديم المساعدة لهم، ففي إحدى الليالي وداخل إحدى المحلات الشهيرة في مصر ذهب عبدالحليم حافظ بصحبة بعض أصدقائه المقربين لقضاء سهرتهم في تلك المحلة، وكان فوق خشبة المسرح يغنى الفنان الشعبي الشهير أحمد عدوية، فوجئ جمهور الحاضرين ومعهم أحمد عدوية بدخول معشوق الجماهير وساحر القلوب عبد الحليم حافظ إلى ذلك المكان، فانطلقت صيحات وصراخ الجميع بشكل هيستيري، وما إن جلس حليم على إحدى الطاولات حتى انطلق الصفير والتصفيق الحاد تحية للعندليب، حتى أن عدوية نفسه أصيب بصدمة فرح وسعادة غير مسبوقين وأخذ يحيى نجم النجوم وطالبه بأن يغني أية غنوة من أغانيه، وشاركه في طلبه بتصفيق جميع الحاضرين، فاضطر حليم لتلبية رغبة الجمهور الملحة، ولشدة ذوق وذكاء حليم ذهب إلى خشبة المسرح وأخذ الميكروفون من عدوية وفضل الغناء من تحت خشبة المسرح رغم إلحاح عدوية وقال له بعبقريته المعهودة: “هذه الفقرة الفنية (بتاعتك أنت) وجمهورك الذى جاء خصيصاً ليستمع لصوتك أنت ولا يجوز لأى فنان آخر أن يسحب الأضواء منك أمام جمهورك.” بل إنه أصر على أن يغنى إحدى أغنيات عدوية بمنتهى الذكاء والذوق وتواضع النجم الحقيقي فغنى أغنية “السح الدح امبو” وأخذ عدوية يغششه ببعض كلمات الغنوة وهو في سعادة بالغة، يضحك ويصفق مع الجمهور، ثم جلس لاستكمال سماع صوت عدوية والاستئناس بالحفلة.
مواقف كثيرة وعديدة لهذا الكائن النحيل الذي أنهكه المرض المميت، فقد كانت لديه عادة أن يغني بمصاحبة كورال كبير من نساء ورجال يرافقه خلف الفرقة الموسيقية، وكان هذا الكورال وجه السعد عليه، ففي كل حفلة إذا كانت بكورس أو بلا كورس يحرص على وجودهم معه، وقد عاتبه الكثير من الموسيقيين أمثال محمد عبد الوهاب وقائد الفرقة أحمد فؤاد حسن على وجود هذا العدد الكبير للكورس الذين قد يحتاجهم في أغنية وطنية يغنيها أحياناً لمدة أربع دقائق، لكنه كان يصر على بقائهم معه قائلاً لهم: “يا جماعه الكورس دول شغالين معانا من سنين وفاتحين بيوت وبيستنوا كل أغنية جديدة علشان يسترزقوا من شغل البروفات وشغل الحفلة، وفى نفس الوقت بيشاركونا كلنا فرحة نجاح كل أغنية، إزاى أنا أحرمهم من الفرحة، ويمكن ربنا بيكرمنا وننجح علشان بنراعي بعضنا بعض، وعموماً لو هناك أي مشكلات إنتاجية أنا أتكفل بأجورهم كاملة.”
كذلك موقفه مع الشرطي (الصول عباس)، فقد تعود حليم الخروج بملابس بسيطة، وصادف ان طلب منه الشرطي عباس إبراز هويته فنظر العندليب للصول قائلاً: «أنت مش عارفنى؟» هكذا عبر العندليب عن دهشته من الموقف، ليرد عباس بكل ثقة: «لا»، فرد العندليب: «أنا عبد الحليم حافظ.. مش شايف الشبه؟!»، ليرد عباس بسخرية: «وهو معقول أن عبد الحليم ينزل بجلابية في الشارع؟» ولكي ينهي هذا الجدال، طلب عباس من العندليب أن يغنى له لكي يتأكد فغضب حليم من هذا الطلب جداً، لكنه أراد أن ينهى هذا المشهد العبثى فوراً، لذا بدأ يغنى “يا سيدى أمرك، أمرك يا سيدي،” وبعد غناء العندليب، تأكد عباس أن صاحب «الجلابية» هو عبدالحليم حافظ بالفعل فشعر بالخوف الشديد، فمن المعروف أن لحليم علاقات سياسية قوية، وبالتأكيد سيدفع عباس الثمن على هذا الموقف السخيف الذى تعرض له العندليب.
بدأ عباس يتوسل عبد الحليم لكيلا يؤذيه، وطلب منه السماح، ورغم أن العندليب اشتاط غضباً لكنه سامحه ومنذ هذا اليوم، أصبح العندليب يمر بشكل دوري على عباس، وهو يتجول بسيارته، وفى كل مرة كان حليم ينزل من سيارته خصيصاً ليسلم على عباس، ومع الوقت أصبح عباس ينتظر حليم، ونشأت علاقة صداقة قوية بين ذلك الشرطي البسيط وبين عملاق الغناء العربي عبد الحليم حافظ.
إذن المواقف كثيرة لذلك الفنان الإنسان، ما يحتاج منا وقتاً أكثر كي نسردها جميعاً ونوثق للأجيال قيمة الأخلاق الرفيعة التي كانت تتحلى بها قمم ذاك الزمان، فحليم ظاهرة فنية وأخلاقية وإنسانية كبيرة شح مثيلها لأنها كانت صادقة ومحبة للآخرين حد الذهول والإعياء.