سقوط رجل.. “ماكبث” يتحول إلى سينوغرافيا بصرية

347

رؤيا سعد /

المخرج الذي ينجز أي عمل فني هو كالجندي المجهول في ساحة المعركة ليحقق النصر خلف السواتر، وهو الذي يوظف من أجل ذلك جميع العناصر والمكونات، ولا سيما في أعمال (السينوغرافيا)، إذ يضع حجر الأساس دعامة لأفكاره ليساهم لاحقاً في خلق جمالية الصورة والقيمة الفكرية لأي عرض، وليطرح لنا أفكاراً تنويرية معرفية برؤى تقترب من رؤى المتلقي.
ولا شك في أنه يمتلك روحاً اختراقية جريئة، إذ يفرض آراءه وأفكاره علينا دون أدنى معارضة منا، تلك الأفكار التي لا تقف عند حد، دائبة في البحث بفضاء العرض، واستنباط معانيه المستترة ومكوناته الدلالية، بمعنى الولوج من سطح العمل، كما تعرضه المشاهد والتراكيب إلى العمق، وهو جوهر العرض وعالمه الدلالي. فالدراما بطبيعة الحال تفضح وتكشف عن الكامن المخبوء في أعماق النفس البشرية، وراقص الكوريغراف أو المؤدي هو الفاضح لأعماق النفس وتجلياتها عبر فعله وتجسيده الدرامي. لذا فعندما قدم الفنان البلجيكي الكوريغرافي داميان جليت عرضه السينوغرافي الراقص الأخير والذي يعدّ الأكثر غرابة حتى الآن بأزياء مستوحاة من الفيلم الكلاسيكي الشهير (عرش الدم) للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا، المُنتج عام ١٩٥٧ بتعاون سينوغرافي بصري في كل من الكوريغرافيا والتوجيه بين داميان جليت بمساعدة ايميليوس أرابوغلو مع رون موريلا و كريكور كوشيان برؤية من يونيو تاكاهاشي احتفاءً بهذا المخرج العظيم، وذلك في أسبوع الموضة المقام بباريس للرجال.
(عرش الدم) أو ما يطلق عليه (قلعة شِباك العنكبوت) للمخرج أكيرا كوروساوا الذي اتخذ من تراجيديا شكسبير (ماكبث) أساساً لمسار الفيلم ليسقطه على تاريخ اليابان في عهودها الإقطاعية في القرون الوسطى، تدور أحداثه حول الصراع من أجل العرش، القائد الساموراي واشيزو تاكيتوكي الذي تقابله في الملحمة الماكبثية شخصية (ماكبث) الذي يغتال اللورد العظيم تسوزوكي ليجلس على العرش مكانه بتحريض من زوجته أساجي لتحقيق نبوءة الكهنة سيصبح سيد قلعة بيت العنكبوت.
وقد عمل الكوريغرافي جليت على جعل المعالجة والرؤية السينمائية على شكل سينوغرافيا ترتكز حول ثيمتين أساسيتين هما السلطة والخيانة، حيث عبث الصراع على السلطة، وما يحدث في الجوهر شبيه كل عصر. فالعنف والمؤامرة مرافقة لحركة السياسة في كل العصور، ولا سيما حين كثف تلك الدراما على عصر مقاتلي الساموراي وأسيادهم النبلاء، وذلك الإسقاط المحلي مع الالتزام بروح المسرحية الشكسبيرية من رقي بالحركة وخفّة في الانتقال بين اتجاهات خشبة المسرح، إذ يبهرنا بعمل تقطيع للمشاهد الدرامية بمزاوجة مبهرة مع بعض المشاهد الحركية المحتدمة الحاسمة، وقد تطلب الأمر منه دراسة لأجواء فيلم كوروساوا وكيف جرى تقطيعه ومعالجته تقنياً كي يتمكن من توظيفه سينوغرافياً، وقابل ذلك بطبيعة الحال بذل جهد كبير من حيث تصميم الرقصات المتوافقة مع ثقل الأزياء التي يرتديها البطل.
ومن مميزات كوروساوا المعروفة استخدام عوامل الطقس والطبيعة لتوظيفها درامياً، فالغابة مليئة بالضباب الكثيف الذي يحجب الرؤية وأصوات نعيق الغربان المرعب، وهطول الأمطار الذي هيمن على أجواء القلعة، فكان على جليت الّا يغفل تلك الأجواء لتتمازج مع السينوغرافيا، وإنْ غيّر ذروة الأحداث وهي النبوءة التي تقول لماكبيث: “لن يستطيع رجل أنجبته امرأة هزيمتك وقتلك” فحورها بشكل إبداعي لافت إلى نبوءة أكثر تعقيداً وهي “لن تهزم إلا إذا رأيت أشجار الغابة تتحرك لمهاجمتك”.
استطاع كوروساوا بعبقريته الفذة أن يستخرج تلك الحكمة، ويصور لنا الحدث ضمن حبكة مرعبه تسود فيها أجواء الهلع التي تبدو جلية على ملامح البطل بسبب كثافة النيران حتى يجعل المتلقي أمام مشهد انطباع واقعي تعيشه معه على خشبة المسرح، وتعدّ هذه المعالجة لمأساة قلعة شباك العنكبوت معالجة صعبة سينمائياً فكيف بها إن كانت معالجة سينوغرافيا؟
إننا نجد أنفسنا مأخوذين بقراءة جليت للنفس البشرية وتوظيفها بالحركة الدرامية السينوغرافية الموظفة ليعكس لنا تلك النوازع البشرية والتي لم تتغير عبر قرون مضت ليصبح هذا الخط السلوكي قابلاً للخلود والديمومة، ولا سيما بهذه المأساة المقتبسة من مسرحية شكسبير (ماكبث) إذ يطغى على أحداثها الطمع وسطوة السلطة والتفرد بالحكم والبطش والظلم لمن يخالف نهجه ليتم التنكيل به أو النفي الأبدي. إن هذه المعالجة الماكبثية تتصدى لعمق السياسة ولدوافع الملوك والنبلاء بالتشريح والتحليل، وتبين سبل الدهاء والإجرام التي يتخذها بعض الذين لهم مطامع في الحكم كي يصلوا إلى العرش حتى وإن كان الثمن هو الدم.
كان العرض حداثياً بامتياز وبشكل يرتكز على أساسيات مسرحية استخدم فيه جيليت أسلوب البيوميكانيك في الحركة والأداء الكوريغرافي، حيث الدقة والاختزال في حركة الممثل، والتشكيلات الحركية الجماعية مع تكثيف وجود الأشخاص بالأقنعة المزيفة كي يصلوا بالتلقي إلى فكرة الدسيسة والمؤامرة، وكجزء من السينوغرافيا البصرية الرائعة إلى جانب استخدام التقنيات البصرية المتطورة والأزياء التي عكست شكل تلك الحقبة الباذخة، كلها تركز على تحقيق صورة مجسمة دون الاستعانة بأي عنصر درامي على خشبة المسرح، وقد لعبت المؤثرات الموسيقية الحية الإيقاعية للفنان رون موريلي وكريكور دوراً كبيراً في توكيد الحالات النفسية المحتدمة التي تمر بها الشخصيات.