سليم بركات مفجّر التوق إلى المعنى

590

حربي محسن عبدالله /

يقول سليم بركات عن الرواية بأنها (تدوين صلب بسيادة المنطق على ظواهرها. والوضوح “الإجباري” الذي تخضع له ضرورة القص والسرد حتى يصير “الحدث” حدثاً حكائياً، وليس ابتهالاً وجدانياً. لكن الحيلة ممكنة جداً في “أخلاط” التكوين، وفي آلات البناء، وتقويض النسب، والربط والضبط.
فإذا توالد مشهد من آخر فإن ذلك يعني إيجاد استطرادات “مُسانِدة” للتعبير الأصل. وإن عَمَدنا إلى استحضار المسرح، والمشهد السينمائي البصري، فإنما يعني ذلك أن مقتضيات أخرى قد تناسب الحال وتعزّز ثقله، أما مستويات التعبير الشعرية، والنثرية، في سياق الحكاية، فأراها متاحة، ممنوحة، لا يستوجب “قانون” الكتابة الروائية تنحية بعضها، وتغليب بعضها الآخر على سواه).
أن تقرأ ما يكتبه “سليم بركات”، لتكتب عما قرأت يعني أنك شربتَ من نبيذ كلماته، ونهلتَ من منبع استعاراته، وانبسطتْ أمامك سجادة مزركشة من تشبيهاته، عندها تدور بك الكلمات في أفلاكها. تجد عنده التكثيف دون إثقال، والاختصار بلا ابتسار، وحين يستفيض لا يعرف الملل طريقه إلى إسهابه لأنه لا يصل حد الإطناب أولاً ولأنه مكتنز وبلا حشو ثانياً. يفجّر لدى القارئ التوق إلى المعنى بقدر نحته للمبنى، ويأخذ بيده نحو المرتقى الشعري وهو يجول في رحاب رواية. طراوة خدر ذاك النبيذ تحيلنا إلى قراءة شعرية لرواية “كهوف هايدراهوداهوس”، فنجد الشاعر الكاتب وهو يتزلّج على جليد اللغة ويحتك بها شاحذاً ما كمن من حرارتها ليوقدها حُلماً من طبقات عديدة تتصعد في السماء بلا سلّم. “لا إسقاطات من الأساطير في نص هذه الرواية. لا إعادة صوغٍ لإنشاء أسطوري، هي ائتلاف مكوّن من السرد الحكائيّ والمحاورة في مسرح المأساة القديم، تديره كائنات أسطورية من أمة السَنْتور في محاولةٍ لتصويب الواقع بإعادته إلى خياله”. هذا هو تعريف للرواية خطّه الروائي. ولأن ببغاوية كلمات الإطراء لا تحيلنا إلى معنى ذي جوهر. لذلك يمتدُّ أمامنا طريق آخر نسلكه لكي نلقي الضوء على دروب الرواية ومتاهاتها الشعرية، نستكشفه ركناً فركناً لأننا سننغمس فيه بدوائر من القلق الخصب بعد أن نرتمس في معنى هزال الحيرة، وكيف تغدو خمائر العافية حامضة.
أمة السنتور عبارة عن شعب ينحدر من كائن مُختَلَس نصفه إنسان ونصفه الآخر حصان، يعيش في كهوف بمجتمع طبقي، يعبد الإله اللون، ويعتبر الموت هو خراب اللون. يشترك كل كائنين من أمة السنتور في حلم واحد، فليس لواحد حلم كامل، لدى الأول منهما نصف حلم ولدى شريكه تتمته، ولا يطلعان أحداً آخر على حلمهما، ويخضع مجتمع الكهوف هذا لأمير يعتبر كل سر تمرّداً، هو أمير حرب يفاخر بإرث سلالته التي بلغت الذُّروة في شؤون تدبير الحروب ولم تعد تجد مخرجاً من ذلك. فالحروب كما يقول الأمير “ثيوني”: هي تمرينٌ عقليٌّ لاستدراج النفس إلى صُلحٍ مع القلق. بين كل حرب وأخرى- من أجل ترتيب العقل نَفْسِه ترتيباً أشبه بأعمدة هايدراهوداهوس: إنها لا تسند كهوفنا فحسب، بل تسند الدورة المفقودة للنظام السماوي الثابت. بين حرب وأخرى تلزمنا فسحة للتفكير بحرب جديدة، أكثر كمالاً. في هذه الفسحة يحاصر الضجر الأمير فيتفتق ذهنه ذات ملل فيأمر بشيّ المهرّج وتقديمه على محفّة كبيرة، دائرية، توضع في منتصف المائدة الصوّان الضخمة، ويقدمه طعاماً لحاشيته وبطانته بعد أن فقد المهرّج حس الدعابة!! وبعد أن تنصرف الأميرة مهرولة من وحشية المنظر وينهض الكثير من الضيوف مصعوقين يقهقه الأمير ثيوني قائلاً ” أنظروا إلى حوافره، إنه يرتدي حدواته” ثم يصهل صهيلاً موحشاً ويكمل “لم أعُدْ أتذكر متى كان خانياس مُضحكاً. ها هو مضحك أخيراً”. وبذلك ذهب المهرّج ضحية الضجر الذي انتاب الأمير “ثيوني” الذي يرى أن أسرار الكون له وحده، فكانت تهتزّ شوارب المحيطين به من عبور أنفاسه القوية، أنفاس الوعيد التي تنطلق عندما يستمرئ شراباً من أعشاب منقوعة بخل الدراق الفجّ على الريق وما أن يصعد إلى دمه حتى يتبدل لسانه من لحم إلى خل، فتتناثر كلمات حامضة في كل مكان من كهوف هايدراهوداهوس- أرض الصُّنّاع السّحرة للخناجر والحدوات. وفي سابقة لم تخطر على بال ملك أو أمير سابق كوسيلة للتسلية قام الأمير “ثيوني” باستنطاق الناس عن أحلامهم، والحلم كما يؤمن سكان كهوف هايدراهوداهوس لون إن كشفناه أهنّاه. فكانت شرارة الجحيم التي انطلقتْ لتهّز أرض الكهوف الكبرى. عندها انفلت عقد تدبير العلاقة بين الشيء ومعناه. ونما هلعٌ مستور كثمرة على شجرة الريح.
في صباح لطيف الحنجرة، ذي غناء خافت تتشربه الأعمدة الجليلة للكهوف “ثيوني أمير هايدراهوداهوس ذات الكهوف المُجتاحة بالأعمدة المهيبة، خرق الموروث. فاجأ جلساءه الخلصاء- غضاريف الحقول المديدة، وأمناء خزائن المؤن والأسلحة- بالطلب إلى زوجته آنيكساميدا أن تسرد نصف حلمها على أسماعهم. صهل الحاضرون، أهتزّ عُرف الأنثى تحت خمارها النازل حتى ظهرها. أهتزّ ثدياها المحتجبان تحت شبكة الذهب المتدلية من عنقها على صدرها. التمع جسدها الأبلق ذو الوبر الحرير كأهداب طيور النعام: – أيها الهوداهوس الأمير، يازوجي الناطق بلسان الكهوف ذي الشعب الثلاث، هل هي رؤيا أملتْ عليك كشف المستور من خصائصنا – نحن مخلوقات الجنس الأنبل؟” – ما من رؤيا أملتْ عليّ هذا الطلب، أيتها الهوداهوس الأميرة، يازوجتي الناطقة من بصرها- بصر الكهوف الأكثر كمالاً. لقد أمليتُ رؤياي عليّ، وأمليتُ، ما أريدُ على رؤيايَ. لا حلماً يبقى مُلك اثنين، وحدهما في هذا المجلس، بعد اليوم”. ثم تتوالى أحداث وفصول الرواية لتصل إلى حلم نُقشتْ صورته نافرة على حجر أحد الأعمدة. صورة لكائن يقف على ساقين “مخلوق خياره الخدعة ويرتعش رعشة اليأس المترفع عن علوم الأمل، وهو ما لم يتصوره خيال الكائن المختلس الذي لا يعرف كائناً بساقين سوى الطيور، فسقطت البزرة في رطوبة الحقائق فنمتْ شجرة في قلوب منْ شحذوا شفرات قلوبهم لاستلال المعنى. يذهب الأمير ضحية ضجره عندما يقرر التنكر، ليثبتْ أن “المركز خطأ في التقدير. محيط الفراغ هو مركز نفسه، كل محيط هو كتلة متنافرة الأبعاد لا توازن إلا في الفوضى”.
ختاماً الرواية غير قابلة للاختزال لكن الذي أوردته كافٍ لما أردته.