صالات فن تحولت إلى مخازن وأسواق خضار !

379

محسن إبراهيم /

مدينة الجمال وبوابة الحضارة، على ضفافها يغفو التاريخ، تتنفس الثقافة والفن، فمن منارتها الحدباء يصدح صوت عثمان الموصلي وترتسم في شوراعها لوحة تشكيلية تعبر عن فسيفساء المجتمع الموصلي.

ربما تكون الموصل قد سبقت الكثير من العواصم العربية في افتتاح أول دار عرض سينمائي عام 1921 باسم (دار الهلال) التي شيدت في شارع نينوى مقابل قنطرة الجومرد, لتنتشر في مابعد دور العرض والتي بلغت أكثر من خمس وعشرين دار عرض، لتحل مدينة الموصل في المرتبة الثانية من حيث عدد الصالات بعد العاصمة بغداد. أهل الموصل عاصروا السينما منذ نشأتها في الثلاثينات من القرن الماضي وحتى السبعينات حين ابتداء موسم أفولها.
طقوس العرض
كانت لدور العرض السينمائي في الموصل طقوس خاصة قد تختلف عن مثيلاتها في باقي المدن, إذ يبدأ العرض السينمائي في العهد الملكي بالسلام الملكي مع ظهورصورة الملك مع العلم العراقي على الشاشة، فيقف الجمهور احتراماً ويجلسون بعد الانتهاء من عزف السلام. أخبار العالم المصورة أو جريدة مصر الناطقة أو جريدة العراق الجديد تعرض أيضاً على الشاشة قبل عرض الفيلم، فضلاً عن نشاطات الملوك والرؤساء والمنجزات العمرانية والصناعية والسياحية في العراق ومختلف بلاد العالم.
فترة التأسيس
بدأ الحراك السينمائي في مدينة الموصل منذ بداية الخمسينات، فقد شهدت تلك الفترة تأسيس دور عدة للعروض السينمائية أهمها سينما هوليود (سمير اميس)، ثم تلتها العديد من الدور حتى بلغت أحد عشر داراً حديثة في بداية السبعينات
كان اليهود هم الرواد الأوائل في ولوج هذا النوع من الأعمال، واختلط بهم بعض المسيحيين الذين تعلموا أصول المهنة، وكان أبرز من عمل في هذا المجال هو المرحوم (كامل سارة) مؤسس سينما كامل (النصر) سنة 1952 التي باعها فيما بعد لينشئ داراً أخرى سُميت بسينما السندباد التي اختصت بعرض الأفلام الهندية.
دور العرض
تعددت دور العرض السينمائي في الموصل بمختلف أسمائها وتوجهاتها ونوعية الأفلام المعروضة، ومن أبرز هذه الدور نذكر (حمورابي، غرناطة، أشبيليه، بابل، الحدباء، الوطني، السعدون، الأندلس، الملك غازي، الملك فيصل، الوطن). عرضت هذه الدور العديد من الأفلام التي نالت شهرة عالمية منها (ذهب مع الريح، الطاحونة الحمراء، زوربا، الأمريكي القبيح، كم وادينا أخضر، أم الهند، الناصر صلاح الدين، الحرب والسلام، معجزة في ميلانو، سارق الدراجات، إلى أستاذي مع أطيب التمنيات) .
بداية الرحيل
معظم تلك الدور التي كانت منارات للثقافة والبهجة لأهالي الموصل شدّت رحالها إلى عالم مجهول، ولم تعد تلك الأماكن تضج بالمتفرجين والباعة، ولم تعد تلك الستارة البيضاء التي تسقبل شعاع الآلة السينمائية المخصصة للعرض تثير مشاهديها، فقد تحول معظم تلك الدور إلى مرائب للعجلات أو أسواق للخضر, سينما دنيا في منطقة الفيصلية تحولت إلى مرآب لوقوف سيارات تلكيف والحمدانية، وسينما الفردوس أصبحت سوقاً للخضار في منطقة باب الطوب، وسينما الحدباء في مدخل الصوافة باتت فندقاً، أما سينما كامل فأصبحت مخزناً لبيع الإسفنج، وسينما الحمراء التي تقع في الجهة المقابلة لجامع الصابونجي تحولت الى مرآب, وسينما الجمهورية تحولت إلى ساحة، وجراء المعارك الأخيرة ضد داعش دُمرت سينمات الأندلس والسعدون وسمير اميس وبابل.