طالما عُدّ هامشياً أو شاغراً..! درس التربية الفنية.. الحاضر الغائب

111

استطلاع – زياد جسام /

يقول المتخصصون في مجالات التعليمين الابتدائي والثانوي إن تنوّع الأنشطة المدرسية والتأثيرات السمعية والبصرية، التي يمارسها طلبة المدارس ويتفاعلون معها، يعمل على استثارة مَلَكَة الإبداع لديهم، ويفتح لهم طاقات الخيال والتعبير الفني، الذي منه تتكون شخصياتهم الإبداعية.
كما أن التربية، بمفهومها الحديث، تسعى إلى إعداد إنسان مثقف يمكن أن يمتلك الموهبة والقدرات الإبداعية والابتكارية، وأن رعاية هذا النمو الإنساني تحتاج حتماً إلى طاقات وكفاءات عالية لتحقيق أقصى درجة من درجات التمكين للطلبة في عالم الابتكار والإبداع وتكوين الشخصية المتكاملة.
مادة التربية الفنية في المناهج الدراسية وضعت في عموم العالم لتثير الأفكار والقدرات الإبداعية وتحفزها لدى الطلبة، كما أنها تحسن توجيههم في المستقبل، فضلاً عن الاستمرار في إعداد الأنشطة المتجددة والابتكارية التي تتطلب الأصالة والمرونة في تنفيذها لتطوير تلك القدرات الإبداعية التي تسهم في تنمية الموهبة. لكن هل ينطبق هذا على مدارسنا في العراق؟ وهل أن دروس مادة الفنية لها تأثير؟ وما مدى استجابة الطلبة لذلك؟
هذه الأسئلة وغيرها هي ما ناقشتها “مجلة الشبكة” في هذا الاستطلاع:
إهمال الدرس
حدثنا عن هذا الموضوع الأستاذ (أحمد ياسين)، مدير (متوسطة الخلود للبنين) قائلاً:
من تجربتي التربوية توصلت إلى أن عموم مدارس العراق لا تولي أهمية ومتابعة لدرس التربية الفنية، أما أنا فأعد هذا الدرس من الدروس المهمة جداً للطالب، ومن خلال متابعتي للطلاب في مدرستي واطلاعي على جدول الدروس اليومي أثناء درس الفنية انتبه إلى وجوه الطلبة وهم يشعرون بالراحة والهدوء والطمأنينة بعد الضغط الحاصل عليهم في بقية الدروس، لذا أعددتُ جدول دروس يومياً يتوسط فيه درس التربية الفنية الدروس الأخرى لراحة الطالب وتجديد نشاطه والتقليل من الشد العصبي والقلق عنده، بحيث ينتقل الطالب من جو دراسي وضغط إلى جو هادئ ينشغل فيه برسم المناظر الطبيعية واللوحات الجميلة ويذهب بخياله بعيداً في الرسم والألوان.
وعلى الرغم من تعليق درس التربية الفنية وبعض الدروس الأخرى هذا العام بسبب الظروف الصحية وقيود جائحة كورونا، إلا أنني كنت أتابع الطلبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشدتني أعمالهم ورسوماتهم الفنية التي يتشاركونها على المواقع، وقد ظهرت مجموعة من طلابنا برسومات محترفة قياساً إلى أعمارهم، وبداياتهم كانت أعمالاً رائعة، وقد نُشرت في كروب مدرستنا لتشجيعهم وحثهم على الاستمرار بهذا العمل الجميل والقيِّم لتطوير مهاراتهم الفنية، وأتمنى على جميع مديري المدارس أن يأخذوا درس التربية الفنية على محمل الجد وأن يعطوه قيمته الحقيقية.
واحة استراحة
الأستاذ (صلاح حقي العبيدي)، مدير (ثانوية أفق الأهلية للبنين) تحدث إلينا قائلاً: الناحية الجمالية جزء لا يتجزأ من كينونة الإنسان، فقد أودع الله سبحانه غريزة الإحساس بالأشياء الجميلة لدى البشر، ابتداءً من سحر الطبيعة بسمائها الزرقاء وبسهولها الخُضر ومروراً ببديع صنع الكائنات الحية الأخرى، كالخيول وغيرها، وأخيراً وليس آخراً بلمسات الجمال الموجودة في الإنسان نفسه، كل هذا الجمال المبثوث حفز الإنسان على التعبير عنه بطرق شتى، إذ أطلق الرسام العنان لريشته فأبدعت لوحات جمالية رائعة، وصدحت حناجر الشعراء بجميل الشعر الذي تغنّى بهذا الجمال الأخاذ، ولأن الجمال فطرة ربانية تولد مع الإنسان، فقد أولت المؤسسات التربوية والتعليمية هذا الجانب اهتماماً خاصاً بإنشاء الكليات والمعاهد المتخصصة بالفنون المتنوعة، وخصصت المدارس حصصاً ودروساً للتربية الفنية ودروساً للموسيقى ضمن جداولها، فأصبحت هذه الدروس واحات استراحة للطالب من الضغط الدراسي، كما أنها أصبحت ورشاً لاكتشاف الموهوبين في المجالات الفنية المختلفة كالرسم والنحت والعزف على الآلات الموسيقية وفنون الخط العربي وغيرها، فأصبح هؤلاء الموهوبون نجوماً في سماء الفنون المتنوعة.
ولتبنّي مواهب هؤلاء ورعايتهم فقد أنشئت في مديريات التربية أقسام للنشاط المدرسي الفني جعلتهم يبرزون هذه المواهب عبر فعاليات فنية متنوعة، ما يجعلنا نحث هذه الأقسام المعنية على أن تبذل مزيداً من الاهتمام للاضطلاع بدورها التربوي المطلوب في هذا الجانب.
وعلى صعيد مدارسنا، فقد أولينا اهتماماً متميزاً بالتربية الفنية بتأسيس مرسم احترافي متكامل. واقتناء معظم الآلات الموسيقية الأساسية كالعود والكمان والقانون وغيرها. ويدير هذه الفعاليات مدرسون محترفون ومتخصصون في مجالاتهم، كل هذا انطلق من قناعتنا الراسخة بأهمية غرس الناحية الجمالية والفنية في نفوس النشء الجديد.
إشراف فني
كما تحدث المشرف التربوي الفني (رحيم أبو الهيل) الذي درّس مادة التربية الفنية سنوات عدة وقال: للنشاط المدرسي وكوادره من المشرفين أهمية كبيرة في اكتشاف المواهب وتوظيفها وتوجيهها نحو أهداف سامية وإنسانية مكملة ومهمة، تحفز الطالب على تنمية قدراته اللاصفية، إذ تعدّ فسحة من الراحة لخلق الجمال وتنمية القدرات في اكتشاف المواهب، ولاسيما في العراق بما يحتويه البلد من قدرات بشرية.
إن من مهمات المشرف الفني اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وتوجيهها نحو الإبداع، فضلاً عن إعداد قدرات الكوادر المتخصصة من المعلمين والمدرسين وتوجيههم بهدف رفع كفاءة الطالب الموهوب وتحفيز الطلاب الآخرين نحو تذوق الجمال والقدرة على الإبداع فيه، وللنشاط أقسام وشُعب منها الرياضية والفنية والكشفية والصحة والبيئة، ولكل شعبة منها خاصية عمل متفردة، لكن الهدف واحد. وقد رسمنا منهاجاً في زيارة المدارس وتوجيه المعلمين والمدرسين، كما أعددنا خطة سنوية حسب الفئات العمرية والمراحل، وكان لهذه المساعي أثر في إبراز مواهب كبيرة وكثيرة لها صدى في إغناء المشهد الثقافي والرياضي والإبداعي بأسماء لامعة من فنانين تشكيليين وموسيقيين وسينمائيين ومسرحيين ورياضيين.