عبد الجبار داود البصري:أيامي العادية هي اجمل ايام عمري

646

عبد الجبار خلف/

من دون ادني تردد اخبرني الناقد الأدبي عبد الجبار داود البصري* (1930 _ 2002) حين طلبت منه أن يحدثني عن يوم خاص من عمره، له في نفسه ذكرى طيبة، فاجأني حين قال اني لن اتحدث عن يوم من أيامي السعيدة ولا يوم من أيامي الكئيبة ولا يوم من أيام المناسبات الاجتماعية والوطنية ولكنني سأتحدث عن يوم عادي جدا من أيام عمري

ويتكرر من وقت الى آخر ويشكل العمود الفقري لهذا العمر ويبدو كأنه بطل المسرحية التي أعيشها. مع استغرابي لما قاله وخشيتي أن لا أحصل من الأستاذ البصري على ما أريده، ابتسمت وابتسم واكمل قائلا: هذا اليوم العادي يبدأ فجر كل يوم بذكر الله تعالى وممارسة الطقوس الصباحية والجلوس الى مائدة الافطار، ولكن كل شيء على المائدة يشكل علامة سيميائية تذكرني بما هو وراءه، فالملعقة تشير الى عالم الصناعة، وكوب الحليب الى مزرعة من المزارع، ورغيف الخبز يذكرني بصراع الانسان الطويل من أجله، والأحاديث المتبادلة على المائدة تشرق وتغرب بي وآتية من خيالات وأحلام عديدة، وحين تمر لحظات الافطار برغم غناها.. أدخل بعد ذلك في فترة العمل الثقافي والأدبي، فاختلي مع كتبي وكأنني اختلي مع عظماء الرجال وجميلات النساء ويأتيني حشد من الأسماء من أعماق التاريخ ومن كل مكان من الكرة الأرضية يتحدثون عن الربيع والخريف والشتاء والصيف، وحين استغرق معهم في الحديث تقطعه بين حين وآخر رنات الهاتف ويتدخل في حياتي أناس أحبهم وناس لا أحبهم، فأترك أحبائي ينتظرونني على طاولة المكتب لنحاور من هم أكثر الحاحا منهم وأكون في هذه الفترة في خدمة البيت، فالأطفال يدخلون ويخرجون وربات البيت يؤمرونني بأن أغادر البيت لشراء حاجة من الحاجات فيعكرون علي صفاء يومي، واسمع الباعة المتجولين فأهرع إليهم بين حين وآخر، وهكذا تمر الساعات مقطعة رغما عني أحيانا وبإرادتي أحيانا أخرى، الى أن تأتي فترة الظهيرة وتنتهي طقوسها فاهرع الى النوم وأحلم وما أكثر ما أحلم بدول وشعوب زرتها ولم أزرها ووجوه قبلتها ولم أقبلها زغابات اضافتني ولم أخف منها وأماكن عديدة تطاردني في أحلامي.

ولم يتوقف طويلا، بل سرعان ما استمر قائلا: فاذا جاء المساء أعود الى كتبي وأمارس علاقات اجتماعية خارج البيت وما أكثرها تضغط من كل ناحية، بعضها فرح وبعضها حزن، فآسف إن لم أحقق شيئا من هذه المناسبات.

وتوقف قليلا قبل أن يقول: وإذا جاء الليل وما أجمل الليل بسواده ونجومه وصمته ووحدته وكل ما فيه، فأنا رجل كنازك الملائكة أعشق الليل بكل ما فيه، ولا تسألني عما تضم عباءة الليل بالنسبة لي.

وبعد لحظات من الصمت والتأمل وربما التأوه الذي لم أسمعه منه قال: هكذا ينتهي اليوم العادي الذي أكرره كل حين، وأنا مدين لهذه الأيام العادية بسعادتي وهنائي، وأكره الأيام الاستثنائية، فتحية لكل يوم عادي من أيام عمري.

*ناقد أدبي بارز من نقاد العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، مارس النقد منذ أواسط خمسينات القرن حتى وفاته.