علي البزاز في معرضه بالرباط

666

 صلاح حسن /

تذكرنا أعمال الشاعر والفنان التشكيلي العراقي المغترب علي البزاز التي عرضها على قاعة نيمار في المركز الثقافي الهولندي في الرباط بمقولات باشلار وجانوس حول مفهوم الباب والداخل والخارج والوجه والقفا ومفهوم المواربة والمخاتلة والمكر على الدوام.
فلا يخلو أي عمل من أعماله من هذه الفكرة التي تكون دائما بحاجة الى توضيح أو اكتمال بوصفها مفهوما وليس صورة أو لوحة لانها تحيل دائما الى الزمن الذي يعد هو نفسه مفهوما غير قابل للرصد والثبات.

التضاد الدلالي

المفارقات السيميائية التي تثيرها هذه الأعمال، فضلا عن الثنائيات والتضاد الدلالي يجعل من العسير ان تكون هذه الأعمال صالحة لكي تكون مكملا جماليا للجدران أو الديكورات، لان الفنان جعل لها وجهين أو زمنين أو قيمتين جماليتين متضادتين. فهناك الوجه وهناك القفا، الوجه له تاريخه ولونه وآثار الزمن عليه كما هو الحال مع القفا الذي يكاد يكون مضادا سيميائيا للوجه، بحيث تبقى اللوحة معلقة في العدم لانها لا تملك زمنها الخاص ولا وجهها أو قفاها، وهنا تكمن المفارقة.
من المفارقات الأخرى في هذا المعرض ان اللوحات بمضامينها التجريدية واشكالها ومادتها المتلاشية المهملة لا يمكن ان تصنع زمنا ومكانا لها لانها أولا غير قابلة للتعليق على الجدران، فهي تتدلى من السقوف وتبقى في حالة حركة دائبة كمفهوم قلق يبحث عن رسوخ واطار لكي يستقر وفق رؤية منهجية قريبة من رؤية القصيدة الحديثة التي يكتبها البزاز بالتقنية نفسها.

إمتلاء وخواء

ولان علي البزاز يعمل على الأبواب وهي كما ذكرنا في البداية عند باشلار مواربة وماكرة، فأن اعماله ذات الوجهين تشبه كثيرا المكر الذي تحيل اليه الباب، خصوصا عندما يكون لكل وجه لون وتقنية خاصة. وجه يدعوك الى الدخول ويرحب بك والآخر يطردك ويقفل دونك الباب بعنف، مفارقة الامتلاء والخواء واحدة في الكثير من هذه الأعمال المنفذة على مادة الخشب المطواعة. يمارس علي البزاز على أعماله الكثير من التجريب لانه ببساطة لم يدرس الرسم في اكاديمية أو معهد فني، لذلك فهو لا يخاف مثل الفنانين المكرسين لان النتائج الاولية التي يحصل عليها لا تبهره الى درجة انه يشعر ان هذه الأعمال لن تكتمل ابدا.

لوحة متحركة

تقنية الحفر والحك والحرق واستخدام بعض السوائل، فضلا عن الكولاج تمنح الفنان حرية كبيرة في جعل اللوحة متحركة واجراء توازنات قلقة مقصودة تجعل اللوحة في حالة حركة دائمة. تغيير وظائف الأشياء في العمل على فكرة الباب يعطي الأعمال طابعا تجريديا سرياليا مثل وضع المفتاح على سطح العمل وليس في مكانه المناسب، في المقابل يترك البزاز بعض الأبواب العتيقة بمساميرها وما تراكم عليها دون تغيير لكنه يعمل عليها لكي تبدو في النهاية ايقونة ملونة.

قاعدة معرفية

يمكن ان نعد أعمال علي البزاز التشكيلية اعمالا فطرية مع انه لم يدرس الرسم لانها تنطلق من قاعدة معرفية صارمة لها علاقة متينة مع الشعر عميقة وظفها بطريقة حسية وخيالية وفكرية كالحفر في اللغة اثناء الكتابة الشعرية. سبق للبزاز ان اصدر أربعة دواوين شعرية في اللغة الهولندية ومثلها في اللغة العربية صدرت في بيروت عن دار الغاوون في أوقات متفرقة وله مشاركات في المعارض التي تقام في المغرب بين وقت وآخر ويعد لاصدار بعض الكتب الشعرية والفنية. شارك البزاز في تصميم الكثير من الأغلفة لكتب شعرية وروائية كانت حاضرة في الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب في الدار البيضاء.