عندما أنقذ محمد عبد الوهاب أم كلثوم مرتين

39

عادل مكي /

لايختلف اثنان عل تفرد وقوة صوت أم كلثوم، الهبة التي منحها الله لها، فهو استثناء رباني، لأنه يفوق الأصوات الطبيعية ويعلو على الأصوات البشرية، وعندما حاولت أجهزة الحاسوب التحقق (رياضياً) من خامة صوتها، وجدوا أنها معجزة حقيقية، وأن صوتها يعلو على (2 تون)، والتون الواحد (8 مقامات)، أي أن صوتها (18 مقاماً) بل.. ويزيد عليها.
ورحم الله الشاعر الأندلسي “أبا البقاء الرندي” حين قال:
(لكل شيء إذا ماتم نقصان.. فلا يُغرّ بطيب العيش إنسان)..
وبعد أن تقدمت أم كلثوم في السن، تحول صوتها في حديثها العادي إلى صوت ذي طبيعة ذكورية، ومع ذلك كانت تغني (بجرس رنان).. ففي صوتها ثلاثة أنواع من الصوت النسائي: (الغليظ الترو) و (المتوسط ميتزو سبرانوا) و (الرفيع سبرانوا)، ولهذا كان يُبعد المايكرفون عنها بمسافة أثناء الغناء، إذ أن صوتها يتميز بذبذات قوية، وفي حال اقترب المايكرفون منها أكثر يتحول الصوت إلى صفير، لأن النقاء في صوتها واحد على الألف -حسب ماذكر الموسيقار عمار الشريعي- فصوت أم كلثوم (حسب التوصيف المجازي) هو عبارة عن مجموعة من الأورغنات مصفوفة صفاً واحداً، فتخيل ماذا في الأورغ من (عجائب وغرائب) موسيقية.
ولكونها كانت تغني لمدة خمس ساعات في الحفلة الواحدة احياناً، وتقدم ثلاث أغانٍ طويلة، فأي إعجاز رباني تملك تلك السيدة القديرة، التي وصل صوتها السلّم الشاهق في جواب الجواب بنغم السيكاه بدون تعب أوعناء، أي أن صوتها وصل إلى (سبعة عشر مقاماً) وأحياناً يصل إلى (أربعة أوكتافات) كاملة، فهي الصوت الوحيد الذي جمع بين القوة والعاطفة، والحساسية والشجن والتطريب، أي أنها الصوت الوحيد الذي تمرد على (ذلّ) المايكرفون.
أم كلثوم جمعت الأضداد جميعها في نبرتها، التي تميزت بقداسة مفرطة ذات إحساس غريب، يصور الكلمات تصويراً ممسرحاً يحمل معه تطريباً غريباً تبحر معه إبحاراً ضد التيار.
أم كلثوم أيقونه لن تكرر وحالة خاصة، لم ولن ينجب مثلها الزمن، فصوتها هو الصوت العربي الوحيد الذي انطبقت عليه المعادلة الرياضية التي أثبتت التجربة أن أعلى ذبذبة بلغتها أم كلثوم -كصوت نسائي- وصلت إلى (3966 ونصف الذبذبة في الثانية الواحدة). لقد تسيدت على عرش الغناء لمدة 60 عاماً لأنها كانت تشترط -فيما كانت تشترط- على أعضاء فرقتها الموسيقية أن يكون العازف قادراً على قراءة النوتة، رغم عدم استخدام الفرقة للنوتة الموسيقية، وأن يكون العازف موهوباً وماهراً جداً، لأن العزف سيكون من دون نوته موسيقية في كل حفلاتها. كانت فكرتها أن يتشرب العازف اللحن من الملحن من خلال البروفات المتعددة التي تبلغ أحياناً أكثر من خمسين بروفة على الأغنية الواحدة، بحيث تترك مساحة من التحرك المشروط للعازف -ولو بنسبة قليلة- تلك الصفة تحديداً جعلت فرقتها تتحرك بحرية أكثر فيخرج اللحن كما لو أنها جلسة سلطنة تتيح لأم كلثوم الحرية التامة في الغناء والارتجال.
ومن شروطها الصعبة ضرورة أن يحفظ العازف أغلب ماغنّته سابقاً، وهو تاريخ يمتد الى عشرين سنة مضت، لأنها من الممكن أن تختار أية أغنية قديمة تغنيها بعد أية أغنية جديدة، ولاتحدد ماذا ستغني سلفاً إلا بعد أن تلقي نظرة مستبصرة على الجمهور الحاضر، لذلك كان لابد للفرقة من أن تحفظ جميع أغانيها عن ظهر قلب.
وكانت الصرامة والجدية ديدنيها الدائمين، فلا مجال للمزاح أو التأخير عن موعد البروفة التي تجريها قبل كل حفلة.
وكان لـ (سيد سالم) -عازف الناي المخضرم- دور مهم في تلقينها الكلام إذا نسيت، ولاسيما في الأيام الأخيرة من حياتها.
وعندما كان ينضم أحد العازفين الجدد الوافدين إلى فرقتها، كان الانضمام يجري بطريقة مخيفة، بسبب طابعها المتشدد الذي عرفت به. ومن طرائف هذا الأمر كان عند انضمام عازف الأورغ مجدي الحسيني حين رأته أول مرة.. قالت للسنباطي -باستغراب حقيقي- (إيه العيل ده)!! وكان أن اجبرته في البداية على العزف وهو جالس، إلى أن سمحت له أخيراً بالوقوف، ومما عرف عنها أنها كانت تتابع (دوزنة) الآلات الوترية بنفسها كونها كانت تتمتع بإذن موسيقية خطيرة.
وكانت قبل أية حفلة ترتدي معطفاً فوق بدلة الحفل، لأنها كانت لاتريد لأعضاء فرقتها أن يشاهدوا فستان حفلتها الجديد و(إحراق) المفاجأة إلا مع الجمهور معاً.
أما فرقتها الموسيقية، فقد كانت تتكون -على الأغلب- من 28 عازفاً من حملة الشهادات الموسيقية العالية، وكانت تتعامل معهم كنظام العسكر بانضباطه، إذ أنها كانت تتمتع بشخصية قوية جداً ويخشاها الجميع ويتحدثون معها باحترام عالٍ وإجلال شديد، ماعدا رجل واحد هو (السيد إبراهيم عفيفي) الذي كان يعرفها منذ صغرها، وكان له عليها حكم الأب أو الأستاذ، وكان الوحيد الذي يقول لأم كلثوم (يابت) وكانت تتقبلها منه برحابة صدر.
كانت أم كلثوم مفرطة الذكاء، أي أنها عندما كانت تخطئ أحياناً، وقبل أن يشعر بها المستمعون، كان (إبراهيم عفيفي) يعطيها (الدمين) ويقول لها بدون أن يعلم أحد: (إرجعي يابت أو ادخلي يابت)، فتعود مرة ثانية الى الصواب، فكانت تقول إن إبراهيم عفيفي (بيسترني) بمعنى أنه يغطي على أخطائها ويصححها.
ام كلثوم كانت تغني الجملة الواحدة أربع مرات ثم يطلب الجمهور إعادة الكوبلية مرة أو مرتين، يعني أن من الممكن أن تغني الجملة الواحدة (12 مرة)، وفي كل مرة تجود في الغناء، فلا تجد لها أي استنساخ كاربوني لنفس الجملة، بل تغني كل إعادة بشكل مغاير وجديد، بحيث كانت مهمة عازف الإيقاع مهمة صعبة، لأنه يضبط لها الإيقاع حتى لا تخرج من الوحدة أو (الريتم).
وبعد كل ماذكر عن أم كلثوم من دقة عمل متناهية يتبادر سؤال :
هل نشزت أم كلثوم في الغناء؟؟
يقول الملحن محمد الموجي: بعد تقدمها في العمر لحنت لها أغنية (إسأل روحك).. متصوراً أنها تستطيع غناء الأماكن العالية بسلاسة، وفي الكوبليه الأخير للأغنية شعرت أن أم كلثوم أدت المقطع الأخير بصعوبة بالغة، الأمر الذي جعل الملحن الكبير محمد عبد الوهاب يتصل بي، قائلاً بانفعال، ونبرة صوت مرتفعة (انت بتلحن لأم كلثوم وفي بالك أنها في الأربعينيات!! نزِّل الطبقة تون ونصف يا موجي)، فقلت له (يا أستاذ لكن الآلات الموسيقية مهلهلة، فقال لي:ماتروح الآلات في داهية)، وفي اليوم التالي تم الأمر مثل ما أراد عبد الوهاب، وغنت أم كلثوم بأجمل مايكون، قائلة لمحمد الموجي: (عجبناك يا أستاذ؟).