فؤاد شاكر ذاكرة المدينة والرماد

569

محسن ابراهيم – تصوير: هادي النجار /

يستيقظ فى صباحات بغداد ويراقب سقوط الضوء على الأشياء، قد خلق لنفسه عالماً ممتداً على امتداد النظر فى أزقة وشوراع بغداد وشناشيلها, عشق الضوء والظل وفطن إلى سر الشمس وطارد النهار ليسجل بعدسته أعمالاً تفتح أبواب الأساطير.

ومع استخدامه الكثيف للعدسة, راح يرسم لوحات تعبيرية وتجريديه، ومع اشتداد العوز والمرض، ظل يرسم وهو يرى بصيصاً خافتاً من النور، لكنه أصر على أن يرسم لوحاته الفوتوغرافية متنقلاً بين الظل والضوء إلى ما لا نهاية. مصور مثقف تلحظ عينه الأشياء وان كانت بسيطه ليخلق منها أجمل لوحة, قد نمر على أماكن وزوايا عاديه جدا، ولكن المصور المحترف يكتشف بأن تكوينات الظلال هي أجمل شيء ممكن أن يجعل لذلك المكان أجمل صوره. مهني، تبحر عدسته في عالم الواقعية، وكان ميدانه الأفق المفتوح. بين حدقتيه تذوب الألوان لتتعانق مع بعضها وتتكون المساحات والكتل وتحاور الواقع، وحينما يسقط الضوء تستقر الظلال، فالضوء لدى فؤاد شاكرهو اليقين والظل بوابة الحياة، يراهن على قوة الضوء وجاذبيته في الصورة الفوتوغرافية، كذلك ميله لتوثيق حياة المسحوقين والعفوية في التقاط صورهم في الأزقة والأسواق، صوره ماركة مسجلة يعرفها الجميع حتى وإن رفع اسمه عنها .

رحلة الفوتوغراف

عاش طفولة معذبة، لكنه كان يستوحي الجمال ليزيد حياته بهجة، عاش بين الظل والضوء، فهي رحلة الحياة بالنسبة اليه ليستكشف فيما بعد ان الضوء هو من يدله على مجاهل الحياة, لم يحظَ في طفولته بلعلب الأطفال, كانت الكرات البلورية هي شغفه الوحيد، ومن خلالها اكتشف عالمه المتتد بصرياً, قادته تلك الكرات لاكتشاف عالمه, حتى أدرك أسراره.

ومن هنا، وبعيني الطفل المندهش نسج في خياله آلاف الصور وسافر في خياله بعيدا ليكتشف عوالم اخرى, وحين بلغ سن الـ 13 وتحديدا في العام 1962 بدأت رحلته الفوتوغرافية في تلوين الصور وتصحيحها في عدة استوديوهات للتصوير, ينتقل بعد ذلك الى عالم الصحافة لخوض تجربة التصوير الصحفي منذ العام 1975 في جريدة الجمهورية ليتسنم بعد ذلك مسؤولية قسم التصوير فيها. وبعد مشوار طويل في عالم الفوتوغراف غادر العراق اواخر التسعينات الى اميركا, وهناك استطاع فؤاد ان يقيم معرضاً لصوره في ولاية اوهايو حيث انبهر الجمهور بما عرضه من لوحات فوتوغرافية حتى لقد بيعت منها إحدى عشرة صورة.

عاد الى العراق بعد عام 2003 بعد أن أيقن أن لاحضن يفتح ذراعيه مثل بغداد. كانت لديه مشاريع كثيرة يستعد لإنجازها منها في واشنطن واليابان إضافة الى العراق حيث كان ينوي إقامة مشروع فوتوغرافي لبغداد، وأنه أقام معرضا عن الحياة اليابانية في جمعية التشكيليين العراقيين عام 2011، تجاوزت تجربته المحلية الى العالمية، فهو مؤمن أن المحلية هي الميزة الحقيقية التي تجعل الدول تعجب ببيئة المصور ومحيطه، لذلك فإن وصوله الى العالمية كانت انطلاقتها من تجربته المحلية.

فلسفة التصوير

التقاط الصورة الجميلة لايقل نشوة عن كتابة قصيدة ما، او لحن مميز، او لوحة، خصوصاً إن كان المصور الفوتوغرافي ذا علاقة بالأدب والشعر، فكلاهما، المصور والشاعر، يرسمان لوحة ابداعية تتجلى فيها فلسفة الأشياء.

فؤاد شاكر كانت له رؤية خاصة وفلسفة مميزة في العمل الفني تكمن في أن الصورة هي مايتواجد حولك وفي محيطك، في الشوارع والأزقة والمحلات الشعبية, لاداعي ان تشد الرحال الى اماكن أخرى للبحث عن لقطة ما او منظر ما, والتصوير الفوتوغرافي، كما يؤمن شاكر، يكمن في الضوء وهو غاية المصور, وعلى المصور أن يتعامل مع تفاصيل الحياة وينتزع الصورة من الواقع.

فؤاد شاكر كان أميناً على إظهار علاقة الإنسان بالمكان، ومابين عام 1960 و2013 كانت عدسته تلتقط الأماكن البغدادية, الناس البسطاء والأزقة، وثقت تلك الصور في كتاب (فؤاد شاكر.. ذاكرة المدينة والرماد) الذي طبع في الشارقة كما تم تكريمه بلقب (رائد) من قبل جمعية المصورين العرب فضلا عن عرض فيلم وثائقي في الجامعة الأميركية يتناول سيرته وتجربته في عالم الفوتغراف.

رحلة الى الضوء

على مقربة من لوحة جواد سليم في ساحة التحرير، وفي جولته المعتادة كل يوم في شوارع بغداد, في صمت مهيب، اتكأ بمرفقيه على تاريخ طويل، غارقاً بين صوره المبعثرة وعيناه مفتوحتين على أزقة بغداد وشوارعها، وهو يعيد مشهد صورة طالما أحبها، تهاوى الجسد كورقة خريف إثر أزمة قلبية، فيما ذكرياته تنزلق من يديه مذعورة وظلّه يرنو اليه بدهشة, اغمض العين وهام في عمق الحياة، اشيائه، تاريخه الفني.
فؤاد شاكر كان هنا، يرسم على خارطة الفوتوغراف لوحة دافئة. من بغداد الضوء كانت البداية والنهاية..

معارض وإبداع

يعد فؤاد شاكر من أقدم المصورين العراقيين وأكثرهم احترافاً، قدم أكثر من ثلاثين معرضا شخصيا في العراق واميركا وفرنسا والأردن ويوغسلافيا واليابان، وحازعدة جوائز، فضلا عن تأليفه العديد من الكتب في مجال الفوتوغراف أبرزها (فوتوغرافيون عراقيون) عام 1988 ومن اهم معارضه :

1-(عزف الأمكنة) بغداد المتحف الوطني للفن الحديث 1991

2- (صور من الطبيعة صور من الحياة) المتحف الوطني للفن الحديث 1992

3- (مدارات الضوء) المتحف الوطني للفن الحديث 1992

4- (صور عراقية) باريس معهد العالم العربي 1992

5- (فؤاد شاكر ذاكرة المدينة والرماد) المنتدى الثقافي في امانة بغداد 2009

6- (الصور الفوتوغرافية والأعمال الكرافيكية) المركز الثقافي الملكي الاردن عمان 1995

كما عرضت اعماله في صالون زغرب الدولي بيوغسلافيا عام 1985

7- اصدر كتابه المصور الموسوم (مدارات الضوء) عام 2006

8- اقام معرضا عن العراق في العاصمة اليابانية طوكيو عام 2010

9- وعن الحياة اليابانية والذي كان بعنوان (اليابان ارض الذهب كما رايتها) اذار 2011 على قاعة جمعية الفنانين التشكيلين العراقيين في المنصور.