فارس طعمة التميمي: أتطلع لإخراج فيلم يوثق جريمة “سبايكر”

64

محسن إبراهيم/
عشق السينما وسحرته أجواؤها، وظل يبحث عن نافذة تتيح له دخول هذا العالم المدهش، حتى وجد ضالته في معهد الفنون الجميلة قسم السينما، ليصبح فيما بعد من أهم مخرجي الدراما في العراق. يمتلك أسلوباً يمتاز به عن أقرانه، فهو يبحث عن السهل الممتنع الذي يبقى راسخاً في الذاكرة، إنه المخرج فارس طعمة التميمي الذي التقته “مجلة الشبكة” فكان هذا الحوار:
*هل تتذكر اللحظة التي وقعت فيها في غرام الإخراج؟ متى كانت؟
-اللحظات التي أحببت فيها الإخراج كانت في بواكير سني عمري، ولاسيما في المرحلة المتوسطة من الدراسة, حين ذهبت لمشاهدة تصوير فيلم (المنعطف) للراحل جعفر علي، حيث شاهدت تلك القامة الفنية الكبيرة، كيف تعمل وتشتغل على المشهد, سحرني هذا الجو، ومن خلاله أحببت أن أكون مخرجاً مميزاً كما جعفر علي، وأصررت على دخول معهد الفنون الجميلة قسم السينما, كانت متعة حقيقية وشعوراً غامراً بالفرح زادني حباً لهذه المهنة، وحفزني لأكون من الطلاب ذوي النشاط الكبير في معهد الفنون الجميلة.
أسلوب مغاير
* بعد تجارب تلفزيونية عديدة.. بماذا امتاز فارس طعمة عن أقرانه؟
-في كل عمل، ومنذ بداياتي، كنت أضع أسلوباً مغايراً لأي مسلسل آخر، وكما يلاحظ المشاهد أنني حين اشتغلت مسلسل (قطار الكلمات)، كان الأسلوب فيه مختلفاً عن مسلسل (السياب)، وعن مسلسل (مناوي باشا) بجزءيه الأول والثاني، كان الأسلوب مختلفاً في كل جزء, أحب أن يكون هناك اختلاف في الرؤية، التي أطورها ضمن اختيارات عدة من خلال الزوايا وحركة الكاميرا والتنوع في أداء الممثل.
* حالة الإقصاء والتهميش للمخرج العراقي، التي بانت معالمها مؤخراً، ماهي أسبابها في رأيك؟
-هذه حالة مربكة جداً للعمل الدرامي العراقي، وهي ليست وليدة اليوم، وإنما تمتد جذورها من خلال عملنا في سوريا ودخول المخرجين الأردنيين والسوريين، لم تنجح التجربة آنذاك بشكل كبير, الآن تكرر ذلك في داخل العراق، وهذا التهميش مبني على أسس لضياع الدراما العراقية، في غالبية الأعمال الدرامية هذا الموسم، او الذي سبقه، لم يستطع المخرج السوري او اللبناني أن يقدم شيئاً للدراما العراقية، وكان واضحاً أن هناك عدم دراية وعدم فهم للبيئة العراقية. أعتقد أن السبب الأول هو السبب المادي المتمثل برخص أجور المخرجين السوريين او اللبنانيين، الذين يتقاضون أجوراً أقل بكثير من المخرجين العراقيين، وهذا يتبع العملية الإنتاجية، بدليل أن الأعمال التي عرضت لم يكن لها تأثير في الدراما العراقية.
حاجز المحلية
* النتاج الدرامي العراقي كان يوازي مثيله العربي, لمن تعزو أسباب تعثر الدراما العراقية؟
-كانت فترة الثمانينيات بالتأكيد مزدهرة جداً بإنتاج الدراما، حين استطاعت كسر حاجز المحلية وغزت التلفزيونات الخليجية والعربية، وكان الممثل العراقي مشهوراً جداً في الأوساط الفنية العربية، لكن للأسف وبسبب تداعيات الحصار الاقتصادي إبان فترة التسعينيات تراجعت الدراما العراقية منذ ذلك الحين، ما جعلها تعيش حالة ضياع, نحن الآن نمتلك كتاباً ومخرجين وفنيين جيدين، ولابأس في استقدام خبرات أخرى من أجل إعادة الدراما إلى سابق عهدها.
* في أركان العمل: المؤلف والممثل والمخرج وجهة الإنتاج، من يقود العمل الى النجاح او الفشل؟
-في تصوري أن أركان العمل الثلاثة: المؤلف والمخرج والممثل هي جميعها أركان مهمة في نجاح أي عمل, فإذا كان هناك مخرج متمكن من أدواته وتأتيه بنص بسيط فإنه لا يمكن له أن يقدم عملاً مميزاً, ولو كان هناك مؤلف ممتاز ومخرج ممتاز وجهة إنتاج غير جيدة، ولا توظف الأموال بالشكل الصحيح، كذلك سيقع العمل في شباك الفشل. هذه الأركان الثلاثة إذا اتحدت وقدمت عملاً نموذجياً فأعتقد أن النجاح سيكون حليف العمل بلا أدنى شك, وهناك تجارب كثيرة في إنتاج المسلسلات، على سبيل المثال مسلسل (مناوي باشا) في جزءيه, كانت العملية متكاملة من إنتاج وإخراج ومؤلف, لذلك بقي هذا المسلسل عالقاً في ذاكرة المشاهد العراقي, كما أن هناك الكثير من الأعمال مثل (الذئب وعيون المدينة) وأعمال أخرى. كان هناك اهتمام من أجل انتاج دراما عراقية, هذه العناصر الثلاثة هي العمود الفقري لنجاح أي عمل درامي.
* هل تشارك الرأي القائل بأن أزمة الدراما تعود الى غياب النص المؤثر؟
-الدراما في حقيقة الأمر لا تعاني من أزمة نص ولا أزمة مخرج ولا تعاني من ممثل، المشكلة في الإنتاج. خذ على سبيل المثال أن منتجاً حصل على مليون دولار, أنا على يقين إن هذا المبلغ لن يذهب إلى إنتاج دراما ناجحة, ربما يصرف نصف المبلغ والنصف الآخر يذهب لحساب المنتج, حين نتخلص من هذه الأزمة الكبيرة تعود الدراما الى سابق عهدها، المنتج الآن يعتبر أن العمل الدرامي هو مشروع للكسب المادي، وأن من حقه ان يبحث عن هامش للربح من خلال إنتاج المسلسل، لكن أن يكون الربح على حساب العمل فإن هذا إجرام بحق الدراما، وعندما نتخلص من مثل هكذا منتجين ستنافس الدراما العراقية كل الدراما العربية.
لكل قناة أهدافها
* في رأيك.. هل يمكن أن تحاكي الدراما قضايا عراقية بكل ما تحمله تلك القضايا من إشكالات؟ دون خوف او توجس من طرف ما؟
-بالتأكيد هناك الكثير من الواقع العراقي الذي لم يطرح، وهناك أسباب كثيرة، منها آيديولوجيات القنوات، فلكل قناة اتجاه معين، إذ تلاحظ -في بعض القنوات- أن الدراما العراقية جميلة وحالمة، وحين تشاهد عملاً آخر على قناة أخرى تشاهد البؤس والقتل. كل هذه الأشياء سببها -كما ذكرت- هو اختلاف آيديولوجيات القنوات, بالنسبة لي لا أخرج أي عمل إن لم يكن قريباً من الواقع العراقي، والمشكلة أن ليس جميع القنوات تقبل مثل هكذا نصوص, أقول إن هناك توجساً من بعض القنوات في إظهار الواقع الاجتماعي العراقي بشكل مغاير.
نادم على تسنمي إدارة السينما
* كنت مديراً للسينما في وقت ما، ومخرجاً تلفزيونياً ناجحاً، كما أنك قريب من همومها.. ما الذي تحتاجه الدراما بشكل عام؟
-أولا انا نادم على تسنمي منصب مدير السينما، وللأسف أن هناك البعض من موظفي دائرة السينما والمسرح، وأقولها بأسف، إن هؤلاء لا يملكون هماً فنياً بل إن هناك أيضاً هماً مادياً, وللأسف فإن الثقافة والفن دخلا في دهاليز السرقة والسراق, حاولت أن أصلح وأطور وأن اقدم شيئاً, لكن للأسف لم يساعدني أحد إلا القليل ممن أكن لهم كل الاحترام, لأن الموجة كانت أعلى من ذلك، حين نتحدث عن الدراما او السينما فإن هناك هموماً كثيرة، بالرغم من أننا نمتلك كوادر ممتازة، لكن أرجع وأقول إن شركات الإنتاج لم يكن همها أن تقدم دراما عراقية، والعمل في السينما هو متعة حقيقية لي، فقد أنجزت فيلماً قبل سنة لحساب دائرة السينما والمسرح والى الآن لم تصرف أجور الفنيين والفنانين بحجج كثيرة، مع العلم أن لجنة المشاهدة أجازت عرض الفيلم، لكن على ما يبدو أن هناك نيات سيئة لتهميش هذا الفيلم أو لعدم عرضه.
الثقافة أولا
* ذكرت في أحد الحوارات أن اختيار وزير الثقافة أهم بكثير من اختيار وزير الخارجية او الدفاع، هل لك أن توضح ما قصدته من هذا التصريح؟
-نعم، أؤكد أن اختيار وزير الثقافة هو أهم من اختيار وزير الخارجية أو وزير الدفاع , وزارة الثقافة زاخرة بالعقول الثقافية والإبداعية، روادها قامات يمثلون البلد في كل المحافل الفنية والثقافية في كل بقاع الأرض, لذلك فإن اختيار وزير الثقافة هو من أهم الاختيارات, اتمنى في تشكيل الحكومة القادمة أن يكون اختيار وزير الثقافة لقامة من قامات الإبداع الثقافي والفن العراقي، أكيد أنه سيعيد بناء وزارة الثقافة من جديد، وأعتقد أن الوزارة بحاجة الى غربلة لفرز الطارئين وأشباه المثقفين ممن تسللوا إليها.
* هل ما زالت لديك أحلام وطموحات، وهل فعلاً تتمنى تحقيقها، أم أنها ركنت في خانة النسيان؟
-أكيد أن أحلام وطموحات الفنان لا تنتهي، لدي طموح في أن أقدم عملاً درامياً اجتماعياً تاريخياً يضم كل ما حدث، منذ الاحتلال الى هذا اليوم، بدون قيود أو شروط كي يبقى وثيقة عن تاريخ العراق، كما أتمنى أيضاً أن أعمل فيلماً سينمائياً يسلط الحقيقة على ضحايا (سبايكر)، هذا الملف يجب أن يفتح من خلال عمل سينمائي يفضح كل ما جرى.