فانتوم ثرد.. جمال القسوة

499

مقداد عبد الرضا /

ان يقترن الجمال بالقسوة فتلك معادلة غاية في التعقيد والصعوبة خاصة حينما تكون المعادلة داخل روح الفرد الواحد معادلة صعبة جدا بل تكاد تكون ضربا من المستحيل, دانيال دي لويس (رينولدز ويدكوك) مصمم ازياء في فترة الخمسينات, يعيش مع اخته سيسيل (ليزلي مانفيل جائزة افضل ممثلة دور ثاني 2018) التي تمثل المرجل الذي ينظم له حياته وانفعالاته, ادارة اعماله نومه ويقظته, حتى طعامه, لكأنها امه التي غادرته,ودكوك يدور متقلبا بين طفولته مع امه التي بين الحين والآخر تظهر له على شكل طيف في غرفته حينما تتوتر حالته ويعتزل وتقرر له مايجب العمل عليه, وبين حياته الجمالية التي تتضح جليا في التصاميم التي يصنعها ويضع بين طياتها بعض الرسائل الغامضة نوعا ما.

ودكوك يبدو عمليا جدا, ليس في العمل الذي يقوم به حسب, بل حتى في ادق تفاصيل حياته, في البداية تظهر لنا (إلما) النادلة التي جاءت من لوكسمبورغ لتضع قدمها بقلق عند مطعم حيث تعمل فيه كنادلة, صدفة يلتقيها ودكوك (هو اللقاء الاول اذ لم يسبق ان التقيا من قبل ذلك وهذا ماساعد الما في ارتباكها واحمرار وجنتيها امام دي لويس)، يعجب بها بعد وجبة الطعام الطيبة, الطعام وحده كاف لأن يعجب ودكوك بإلما, يقترح عليها العمل معه كموديل, توافق, لكن هذه الموافقة سرعان ماتتحول الى حب ومن ثم محاولة للاستحواذ والهيمنة, سيسيل اخت ودكوك تخبر إلما اثناء اقتراحات الملابس بأن اخاها يحب البطون الصغيرة, تهيم الما بودكوك لكن بطريقتها, الما البسيطة الطيبة سرعان ماتتغير في النصف الثاني من الفلم وتتحول الى قطعة من شك وتوتر, ودكوك صلد وعنيف وينهر دائما لكن امام عمله يصبح قطعة من جمال ونعومة, هذا النقيض في الشخصية في ان تكون شرسا وناعما في آن واحد صعب على الما ان تستوعبه وهي في قمة غموضها وشغفها, لذا نجدها تقرر القيام بتنفيذ خطة غريبة, تضع السم غير القاتل في طعام ودكوك وتحاول جاهدة ان تبعد الطبيب عنه, تنجح خطتها ويستسلم المريض لها على انها المخلص الوحيد, بكل طاقتها تقوم بالسهر على راحته, هنا وفي اللحظة هذه يضيء الحب اروقة عقل ودكوك ويبتعد التعلق بماضيه مع امه بعيدا بل يتحول الى بهجة وارتباط مع الما.

ان التعاضد في حد ذاته مع الآخر هو ان لا نظل في وحدة وفزع, النتائج تاتي مرضية, كل ما خططت له الما ينجح, هاهو ودكوك ينتبه الى الما, الى جسدها وحركتها وكل ماتقوم به من اعداد للطعام, يخضع لكل ماتقوم به في مقابل ان لايكون طريح السرير بل طريحا بحبها, لعله وكما اسلفنا واحد من اكثر خبايا التعاضد والحب تعقيدا, نعومة وفظاظة, مكيدة وحب, هذه العملية المعقدة استطاع المخرج اندرسن ان يغور فيها ويقدم لنا اداءات من اروع مايمكن (شخصيا ان صح ذلك اميل الى اداء الما لسحنتها الغامضة والعفوية في آن واحد). لقد جسدت دورها بكشل متقن وساحر, لن نتحدث عن دانيال دي لويس فهو يحمل تاريخا من السحر والقدرة على تقمص كل شخصية قام بادائها منذ فيلمه الأثير (قدمي اليسرى), ان حصوله على ثلاث جوائز اوسكار بدور رئيسي ليس مصادفة (1989 قدمي اليسرى, 2007 سيكون هناك الكثير من الدم, لنكلن 2012) يقول دي لويس حول موضوع اعتزاله (لم يكن في بالي الاعتزال , كنت سعيدا بتكرار العمل مع اندرسن , لكن غلافا من الحزن استولى على وجعلني اقرر الاعتزال فجاة), ربما كان هناك احساس خفي عند اندرسن بقرار اعتزال دي لويس فهو في لحظات الفيلم الاخيرة حينما راحت الما بعيدا لوحدها ليلة الاحتفال بعيد السنة الجديد, ودكوك يهرع لمراقبتها, الكاميرا خلفه لانتبين منه سوى قفاه, هذه الصورة جعلتنا نحس بكمية الحزن والوحدة التي تغلف روح دانيال دي لويس وكانه يقول لنا: اعتذر هي ذي اللحظات الاخيرة , المخرج اندرسن وفي النهايات لم يتمكن من الاحتفاظ بادواته، الأخت ابتعدت كثيرا وهي التي كانت عصا الوسط لما يحدث من توترات بين إلما وودكوك, مشاهد اعداد الطعام بدت طويلة سربت الينا بعض الملل, لكن في المقابل ظلت مسحة الجمال في خلق مشاهد غاية في الإتقان والدقة على مدى ساعتين وعشر دقائق هي زمن الفيلم, توزيع الضوء بشكل اخاذ, حركة الكاميرا واختلافها بين الجزء الاول والثاني من الفيلم, لم يكن دي لويس في مشاهد الفيلم الاخيرة في افضل حالاته وهذا ما لايحسب له في قرار اعتزاله.